وحديث: «مَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عَمِيَّةٍ يَغْضَبُ لِعَصَبِيَّةٍ، أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبِيَّةٍ، أَوْ يَنْصُرُ عَصَبِيَّةً، فَقُتِلَ، فَقِتْلَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ» . رواه النسائي و ابن ماجة و صححه الألباني في «السِّلسلةُ الصَّحيحة» .
قوله: {وَجَعَلْنَاكُمْشُعُوبًاوَقَبَائِلَلِتَعَارَفُوا} .
بَيَّنَ - سبحانه - سَبَبَ تَقْسِيمِ النَّاس إلى شعوبٍ وقبائلَ؛ ليس مِنْأَجْلِ التَّفاخُرِ والتَّعالي، إنَّما مِنأَجْلِ التَّعارف والتَّواصل والتَّقارب والتَّوارث. هذا هو المقصودُ.
قال ابنُ كَثِيرٍ: «فَجَمِيعُ النَّاس في الشَّرَفِ بالنِّسبة الطِّينيَّة إلى آدم وحوَّاء سَوَاءٌ، وإنَّما يتفاضلون بالأمور الدِّينيَّة، وهي طاعة الله، ومتابعة رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم.
قوله: {إِنَّأَكْرَمَكُمْعِنْدَاللَّهِأَتْقَاكُمْ} .
المِعْيَارُ الَّذي يتفاضل به النَّاسُ التَّقوى، وأنَّ الفَضْلَ والرِّفْعَةَ بالتَّقوى، وليس بالعنصريَّة والتَّفاخر.
لذلك ذَكَرَ بَعْضُ المفسِّرين أنَّالعبَّاسَ حِينَأُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ قال: «إِنْكنتم سَبَقْتُمُونَا بالإسلام والهجرة والجهاد، فلقد كنَّا نعمِّر المسجد الحرام، ونسقي الحاجَّ، وَنَفُكُّ العاني» . فَرَدَّ اللهُ عَلَيْهِ: {أجعلتم سقاية الحاجِّ وعمارة المسجد الحرام كَمَنْآمن بالله واليوم الاخر} .
المِعْيَارُ الَّذي يتفاضل به النَّاسُ الإيمانُ والتَّقوى، لذلك جعل المنهج الإسلام فوق كلِّ اعتبارٍ.
جاء رجلٌ إلى النَّبيِّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: «يا محمَّدُ يا سيِّدَنا وابنَ سيِّدِنا وخيرَنا وابنَ خيرِنا» . فقال الرَّسولصلَّى الله عليه وسلَّم: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِتَقْوَى اللهِ، ولا يَسْتَهْوِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَلاأُحِبُّ أَنْتَرْفَعُونِي فَوْقَ مَنْزِلَتِي الَّتِي أَنْزَلَنِي اللهُ عَزَّ وَجَلَّ» . رواه أحمد و النسائي و صححه الألباني في «السِّلْسِلَةُ الصَّحِيحَةُ» .
قوله: {قَالَتِالْأَعْرَابُآَمَنَّا} .
الأَعْرَابُ: هُمْأَهْلُ البَادِيَةِ وساكنوها، ثمَّ اختلفوا فيهم؛ هل هم منافقون أم ضعافُإيمانٍ؟ فقيل: إنَّهم مِنَ المنافقين. وقيل: «إنَّهم ليسوا منافقين، لكنَّهم ضعافُ الإيمان، ولو كانوا منافقين، لعُنِّفوا وفُضِحُوا، ولنُفِيَ عنهم الإسلامُ، كما نُفِيَ عنهم الإيمانُ، لَكِنْأُثْبِتَ لهم الإسلامُ» .
ورجَّحه ابنُ كَثِيرٍ، وَابْنُ القَيِّمِ، والصَّحيحُ القولُ الثَّاني؛ أنَّهم قَوْمٌ ادَّعوا لأنفسهم مَقَامَ الإيمان، ولم يَحْصُلْ لَهُمْ بَعْدُ، فَأُدِّبُوا، وأُعْلِمُوا؛ لأنهم ادَّعوا لأنفسهم دَرَجَةً لم يَصِلُوا إليها، وَظَنُّوا أنَّالإيمانَ كَلِمَةٌ تُقَالُ باللِّسان.
قال قَتَادَةُ: «نَزَلَتْ في قَوْمٍ امتنُّوا بإيمانهم على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فردَّ اللهُ عليهم، وقيل لهم تأديبًا إنَّهم لم يؤمنوا، وإنَّما أسلموا.
قال الإمامُ البَغْوِيُّ: «الآَيَةُ نَزَلَتْ في نَفَرٍ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ؛ قَدِمُوا على رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في سَنَةٍ جَدْبَةٍ، فأظهروا الإسلام، ولم يكونوا مؤمنين في السَّرِّ، فأفسدوا طُرُقَ المدينة بالعَذْرَاتِ، وأغلوا أسعارَها.
وكانوا يَغْدُونَ وَيَرُوحُونَ إلى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ويقولون: «أَتَتْكَ العَرَبُ بِأَنْفُسِهَا عَلَى ظُهُورِ رَوَاحِلِهَا، وَجِئْنَاكَ بِالأَثْقَالِ وَالعِيَالِ وَالذَّرَارِي، وَلَمْ نُقَاتِلْكَ كَمَا قَاتَلَكَ بَنُو فُلانٍ وَبَنُو فُلانٍ» .
يَمُنُّونَ على النَّبيِّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - ويريدون الصَّدقة، ويقولون: أَعْطِنَا، فَأَنْزَلَ اللهُ فيهم هذه الآية».
والفَرْقُ بَيْنَ الإسلام والإيمان؛ واضح فهي من المسائل الَّتي أَطَالَ العلماءُ فيها الكلامَ.
وَحَاصِلُ ما يقرِّرونه أنَّه إذا وَرَدأَحَدُ اللَّفْظَيْنِ مفردًا فالمقصودُ به دينُ الإسلام كلُّه، وأمَّا إذا ورد هذان اللَّفظان معًا؛ فالإيمانُ يَرِدُ به الأعمالُ الباطنةُ؛ وهي أعمالُ القلوب؛ كالإيمان بالله، وحقيقتُه الَّتي يقوم عليها هي أركانُه السِّتَّةُ، ومحبَّتُه، وخوفُه، ورجاءُه، والإخلاصُ له.
أمَّا الإسلامُ فيراد به الأعمالُ الظَّاهرةُ؛ الشَّهادتان، والصَّلاةُ، والزَّكاة، والصِّيامُ، والحَجُّ.