والغِيبَةُ محرَّمةٌ بالإجماع، ولا يستثنى من ذلك إلاَّ ما رَجُحَتْ مصلحتُه.
وَذَكَرَ العلماءُ سِتَّ حالاتٍ: الأولى: المظلومُ. والثَّانية: المعرِّف؛ أعمى، أعرج، قصير، طويل. الثَّالثة: المحذِّر والنَّاصح. فيحذَّر من صاحب سوء.
الرَّابع: المجاهرُ بِفِسْقِهِ جائزٌ بدون تَشَفٍّأو سُخْرِيَةٍأو تَعَالٍ. لذلك جُوِّزَ غِيبَةُ الفاجر والكافر؛ مِنْ حَدِيثِ: «بِئْسَأَخُو العَشِيرَةِ» .متفق عليه.
الخامس: المستفتي. السَّادس: طلب الإعانة على صَاحِبِ مُنْكَرٍ، وَلَوْ كان مستترًا.
قوله: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا} .
شَبَّهَ - سبحانه - الغِيبَةَ بِأَسْوَأِ مثالٍ؛ لأَجْلِ التَّنْفِيرِ منها؛ فَمَنِ اغْتَابَأخاه كمن يأكل لَحْمَهُ وهو مَيِّتٌ؛ لأنَّ النَّفْسَ تَنْفِرُ من أكل الميتات عمومًا، وأكلُ مَيْتَةِ الإنسان أسوأُ.
وهذا دَلِيلٌ على التَّحذير الشَّديد من الغِيبَةِ، وأنَّ الغِيبَةَ من الكبائر؛ لأنَّ اللهَ شَبَّهَهَا بأكل لحم المَيِّتِ، وذلك من الكبائر.
قوله: {واتَّقُوا اللهَ} أي: فيما أَمَرَكُمْ به، وَنَهَاكُمْ عنه.
{إنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيم} فَتَحَ اللهُ لِعِبَادِهِ بَابَ التَّوْبَةِ، فتوبوا قبل أن تموتوا؛ فليس بعد الموت من مُسْتَعْتِبٍ.
قوله: {يَاأَيُّهَاالنَّاسُإِنَّاخَلَقْنَاكُمْمِنْذَكَرٍوَأُنْثَى} .
هذا نِدَاءٌ مُوَجَّهٌ إلى جَمِيعِ الخَلْقِ؛ فَنَادَى النَّاسَ جَمِيعًا؛ المؤمنين، والكافرين، فبِدَايَةَ البَشَرِ مِنْ ذَكَرٍ وأنثى، والذَّكر هو آدمُ، والأنثى هي حوَّاء.
فَمِنْ حيث المبدأ والأصل لامَيْزَةَ لأحَدٍ على أَحَدٍ، كلُّهم بنو آدم، وكلُّهم من آدم وحوَّاء؛ فلا فَخْرَ لأَحَدٍ بالنَّسَبِ؛ لأنَّ نَسَبَهُمْ وَاحِدٌ، فهم يَرْجِعُونَ إلى أَبٍ وَاحِدٍ، وأمٍّ وَاحِدَةٍ.
النَّاسُ من جِهَةِ التِّمثال أكفاءُ.:. أبوهم آدمُ والأمُّ حواءُ
فإن يَكُنْ لهم مِنْ أَصْلِهِمْ شَرَفٌ.:. يفاخرون به فالطِّينُ والماءُ
ففي الحديث: «أَنْتُمْ وَلَدُآَدَمَ طفُّ الصَّاعِ لَمْ تَمْلَأُوهُ؛ لَيْسَ لِأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ فَضْلٌإلاَّ بِدِينٍأَوْ عَمَلٍ صَالِحٍ، حَسْبُ الرَّجُلِ أَنْ يَكُونَ فَاحِشًا بَذِيًّا بَخِيلًا جَبَانًا» . رواه المنذري و الهيثمي و الطحاوي في «مُشْكِلُ الآَثَارِ» .
وقرَّر اللهُ هذا؛ لأنَّأَكْبَرَ ما يدمِّر البشريَّة العُنْصُرِيَّةَ.
فعن جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قال: كنَّا في غَزَاةٍ، فَكَسَعَ رَجُلٌ من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال الأنصاريُّ: يا للأنصار، وقال المهاجريُّ: يا للمهاجرين، فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ- صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: «مَا بَالُ دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ؟»
قالوا: يا رسولَ الله، كسع رَجُلٌ من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال: «دَعُوهَا؛ فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ» . متفق عليه.
فلمَّا دخلت العنصريَّةُ قال: «دَعُوها؛ فإنَّها مُنْتِنَةٌ» .
أَكْبَرُ ما يدمِّر البشريَّة العنصريَّةُ، وهناك حَرْبٌ قامت بسبب العنصريَّة راح ضحيَّتها أَكْثَرُ مِنْ خَمْسِ مِائَةِأَلْفٍ.
لذا كانت العصبيَّة القبليَّة من أَكْبَرِ المشكلات الَّتي واجهتها الدَّعْوَةُ الإسلاميَّةُ، وكان شعارُها: «انْصُرْأخاك ظالمًا أو مظلومًا» .رواه البخاري. هذا هو القانون الَّذي يحكم الحياةَ القبليَّةَ، فجاء الإسلامُ فهذَّبها، فَجَعَلَ نُصْرَتَهُ وهو ظَالِمٌ مَنْعَهُ من الظُّلم؛ ممَّا كَسَرَ شَوْكَةَ تلك القاعدة.
والعصبيَّة للقبيلة جُزْءٌ من العصبيَّة للنَّفس؛ فالَّذي يَمْدَحُ قَبِيلَتَهُ يَمْدَحُ نفسَه، وَمِنْ ثَمَّ قال نبيُّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «مَنْ تَعَزَّى بِعَزَى الجَاهِلِيَّةِ فَأَعْضُوهُ بِهِنَّأَبِيهِ، وَلَا تَنْكُوا» . رَوَاهُأَحْمَدُ.
أَيْ: مَنِ انْتَسَبَ إلى الجاهليَّةِ؛ أي: أضَافتْه إليهم.