فهرس الكتاب
أي: يُعْرِضُ وَيَتْرُكُ ما أَمَرَ اللهُ به. فمن يؤمن بالله واليوم الآخر لا يترك الاقتداءَ بإبراهيم ومن معه.
قوله: {فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} .
أي: اللهُ غَنِيٌّ عن جميع خَلْقِهِ؛ لكمال غِنَاهُ، وهذه صِفَتُهُ لا تنبغي إلاَّ له وَحْدَهُ؛ فهو غَنِيٌّ عن إيمانه، وعن طاعته.
و {الحميد} في ذاته وصفاته؛ فهو المحمود في جميع أفعاله وأقواله، لا إِلَهَ غَيْرُهُ، ولا رَبَّ سِوَاهُ؛ فهو- سبحانه - يَحْمَدُ وَيَشْكُرُ من يمتثل أَمْرَهُ.
-فَائِدَةٌ مُهِمَّةٌ:
المتأمِّلُ في هذه الآيات مِنْ أَوَّلِ السُّورة إلى هاهنا، لم يَتْرُكِ اللهُ وَسِيلَةً للتَّنْفِيرِ مِنْ موالاة الكفَّار إلاَّ ذَكَرَهَا؛ لأنَّأَصْلَ الأُصُولِ مُوَالاةُ أَوْلِيَاءِ الله، وَمُعَادَاةُأَعْدَاءِ اللهِ.
فَأَعْظَمُ مَا يَعْبُدُ العَبْدُ رَبَّهُ مَحَبَّةٌ أَهْلِ التَّوْحِيدِ، وَبُغْضُ أَهْلِ الشِّركِ.
قوله: {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً} .
لمَّا أَمَرَهُمْ بِعَدَاوَةِ الكافرين، بَشَّرَهُمْ بِأَنَّهُ قد يَهْدِي إلى الإسلام قومًا من الأعداء الَّذين تربط بينهم وبين المؤمنين رَابِطَةُ الدَّمِ والقَرَابَةِ.
{عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً} مِنْ أَقَارِبِكُمْ من المشركين، محبَّةً بعد البغضاء، وَأُلْفَةً بعد الشَّحناء.
فأنتم تُبْغِضُونَ الآنَ الكفَّار لكفرهم، عسى اللهُ أن يجعل بينكم وبينهم مَوَدَّةً بإسلامهم؛ فلو أسلموا، تودُّونهم.
قوله: {وَاللَّهُ قَدِيرٌ} .
أي: على ما يشاء من الجَمْعِ بين الأشياء المتنافرة، والمتباينة، والمختلفة، فيؤلِّف بين القلوب بعد العداوة والقساوة، فَتُصْبِحَ مُجْتَمِعَةً مُتَّفِقَةً.
كما ألَّف بَيْنَ الأَوْسِ والخَزْرَجِ؛ {وَكُنْتُمْأَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُم} .
قوله: {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .
أي: الغَفُورَ لِكُلِّ مَنْ تاب من أيِّ ذَنْبٍ كان؛ {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُواإِنْيَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَف} .
قوله: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ} .
جَعَلَ اللهُ الكُفَّارَ على نَوْعَيْنِ؛ مُحَارَبِينَ، وَمُسَالَمِينَ.
فَبَيَّنَ الله في هذه الآية أنَّالمُعَامَلَةَ الحَسَنَةَ لا شَيْءَ فيها مع الكافر؛ لأنَّ هناك فَرْقًا بين المعاملة الحسنة، وبين المَوَدَّةِ المَنْهِيِّ عنها؛ مَحَبَّةِ الكفَّار ومناصرتهم.
فمن كان مسالمًا من الكفَّار فالمعاملة الحسنة لا شَيْءَ فيها؛ فهذه الآيَةُ في كلِّ مُشْرِكٍ مُسَالِمٍ غَيْرِ مُحَارَبٍ يجوز الإحسانُإليه، والبِرُّ والإِكْرَامُ، وَتَأْلِيفُهُ على الخَيْرِ.
قوله: {أَنْ تَبَرُّوهُمْ} .
أي: أن تُحْسِنُوا إليهم وتُكْرِمُوهم.
رَوَى الإمامُ أَحْمَدُ عن أسماء - هي بنتُ أبي بكر رضي الله عنهما - قالت: قَدِمْتُ أمِّي وهي مشركةٌ في عهد قريشٍ إذ عاهدوا، فأتيتُ النَّبيَّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - فقلتُ: يا رسول الله، إنَّأمِّي قَدِمَتْ وهي راغبةٌ، أَفَأَصِلُهَا؟ قال: «نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ» . أَخْرَجَاهُ.
أَرْسَلَ عُمَرُ هَدِيَّةً إلى أَخِيهِ بِمَكَّةَ قَبْلَ أَنْيُسْلِمَ.
ومن هنا يجوز الإحسانُ إلى الكافر بالهَدِيَّةِ، وَقَبُولُ شفاعته والنَّفَقَةُ عليهم، وهم على نَوْعَيْنِ: