فهرس الكتاب
وكلُّ هذه التَّوجيهات مُنْبَثِقَةٌ من مِحْوَرِ السُّورة؛ المفاصلة مع الكفَّار.
قوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ} .
نادى اللهُ نَبِيَّهُ نِدَاءَ تَشْرِيفٍ وَتَكْرِيمٍ باسم النُّبوَّة أو الرِّسالة؛ فَلَمْ يَقُلْ: يا محمَّد. وهذا تَكْرِيمٌ وإجلالٌ للنَّبِيِّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - {لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسول بينكم كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} .
فهذا من الأدب مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم. توقيره عند ندائه
قوله: {يُبَايِعْنَكَ} .
كان المسلمون إذا دَخَلُوا في الإسلام، بايعوا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - على السَّمْعِ والطَّاعة والجهاد. ففي البخاريِّ عن عبادة بن الصَّامت قال: بايعنا رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - على السَّمع والطَّاعة في المَنْشَطِ والمَكْرَهِ، وأن لا ننازعَ الأمرَ أَهْلَهُ، وأن نَقُومَ أو نَقُولَ بالحقِّ حيثما كنَّا، لا نخاف في الله لومة لائمٍ».
والنِّسَاءُ إذا أَسْلَمْنَ تُبَايِعُ مِثْلَ ما يبايع الرِّجال، لكن بيعتهنَّ بالكلام؛ لأنَّ الرِّجالَ كانوا يبايعونه بالمُصَافَحَةِ.
فَمِنَ الآداب مبايَعةُ النِّساء بالكلام، لا بالمصافحة، وكذلك السَّلام.
فلا يجوز المصافحة؛ لا في البيعة ولا في السلام.
ومن المؤسف حقًّا أنَّهناك من لا يَجِدُ غَضَاضَةً في مصافحة النِّساء.
قوله: {عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا} .
أوَّلًا: تكون البَيْعَةُ على العقيدة؛ فلا يُشْرِكْنَ بالله؛ لا في عِبَادَةٍ، ولا في دُعَاءٍ، ولا غَيْرِهِ؛ فالتَّوْحِيدُ أوَّلًا.
قوله: {وَلَا يَسْرِقْنَ} .
السَّرقةُ هي أَخْذُ المال من حِرْزِهِ خُفْيَةً عن صاحبه، وهي كَبِيرَةٌ وَعُدْوَانٌ، وَأَكْلٌ للحَرَامِ، وَجُعِلَتْ عُقُوبَتُهَا شديدةً؛ قَطْعَ يَدِ السَّارق، فجاءت السَّرِقَةُ بعد التَّوحيد دَلِيلًا على حرمة المال.
قوله: {وَلَا يَزْنِينَ} .
بايعهنَّ على عدم السَّرقة والزِّنا؛ كبيرةً من كبائر الذُّنوب.
قوله: {وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ} .
وَعَدَمِ قَتْلِ الأولاد خَشْيَةَ الفَقْرِ؛ سَوَاءٌ أَثْنَاءَ الولادة أو الحمل. وما أكثر ما يقع اليوم! فمن أَكْبَرِ الكبائر ثَلاثٌ.
ففي «مسلمٍ» عَبْدُ الله بن مسعودٍ - رضي الله عنه - قال: سألتُ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عند الله تعالى؟ قال: «أَنْ تَجْعَلَ للهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ» . قال: قلت: إنَّذلك لَعَظِيمٌ.
قال: قلتُ: ثمَّ أَيُّ؟ قال: «ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ؛ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ» . قال: قلتُ: ثمَّ أَيُّ؟ قال: «ثُمَّ أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ» .
قوله: {وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ} .
مَنَعَهُنَّ مِنْ كُلِّ بُهْتَانٍ، وهو الكذب ظاهرًا أو خفيًّا؛ فلا تُدْخِلُ على الزَّوج أولادًا ليسوا مِنْ نَسْلِهِ.
قوله: {وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} .
نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - لا يأمر إلاَّ بِمَعْرُوفٍ، فلماذا قَيَّدَهُ؟ دليلًا على أنَّه لا تَجُوزُ الطَّاعَةُ في معصية الله.
وقيل: «معناها: لا يخلو رَجُلٌ بامرأةٍ» .
وقيل: «لا يُحَدِّثْنَ رَجُلًا» . أي الكلام معه
قوله: {فَبَايِعْهُنَّ} .
إذا توفَّرت هذه الشُّرُوطُ تَقُولُ عَائِشَةُ: فمن أقرَّت بهذا الشَّرط قال لها رسولُ اللهصلَّى الله عليه وسلَّم: «قَدْ بَايَعْتُكِ عَلَى ذَلِكَ» .