ثمَّ تحدَّثت السُّورةُ عن سُنَّةِ الله في نُصْرَةِ دِينِهِ، وأنبيائه، وأوليائه، وَمَا جُبِلَ عليه الكفَّارُ من كراهية الحقِّ، ومحاربة دِينِ الله، وَضَرَبَ على ذلك مثلًا في محاربة الكفَّار لِدِينِ الله بأنَّ حَالَهُمْ كمن ينفخ في الشَّمس لِيُطْفِئَ نورَها بِفَمِهِ.
ثمَّ دَعَتِ السُّورة المؤمنين إلى التِّجارة الرَّابحة الَّتي تُنْجِي مِنْ عَذَابٍأَلِيمٍ، وَأَجْمَلَهَا؛ لتتطلَّع النُّفوسُ إليها،
وَخُتِمَتِ السُّورةُ بِدَعْوَةِ أهل الإيمان إلى نُصْرَةِ دين الرَّحمن.
قوله: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} .
التَّسْبِيحُ: هو التَّنزيهُ؛ فَجَمِيعُ المخلوقات تُنَزِّهُ اللهَ؛ ناطقُها، وصامتُها؛ تنزِّهه عن كلِّ شِرْكٍ وَنَقْصٍ وَعَيْبٍ.
ولا يزال التَّسْبِيحُ مُسْتَمِرًّا من كلِّ المخلوقات في كلِّ لَحْظَةٍ وَحِينٍ.
أي: نزَّه اللهُ نَفْسَهُ عن كلِّ عَيْبٍ وَنَقْصٍ، وأنَّ له العَظَمَةَ والكبرياءَ، فأخبرنا بأنَّ جَمِيعَ ما في السَّماوات وما في الأرض ما مِنْ شَيْءٍ إلاَّ يسبِّح له، وَيُمَجِّدُهُ، وَيُقَدِّسُهُ، وَيُعَظِّمُهُ عن كلِّ ما لا يَلِيقُ به سبحانه.
التَّسْبِيحُ: عِبَادَةٌ جَلِيلَةٌ؛ سبَّح اللهُ نَفْسَهُ، وَسَبَّحَتْهُ سماواتُه، وأرضُه، وملائكتُه، والطَّيْرُ، وعبادُهُ المؤمنون، وَسَبَّحَهُ كلُّ شَيْءٍ.
التَّسْبِيحُ: جَاءَ في السُّوَر المسبِّحات؛ وهي خَمْسٌ: الحديدُ، والحشر، والصَّفُّ، والجمعةُ، والتَّغابُنُ.
أمَّا السُّوَرُ المسبِّحاتُ الخَمْسُ منها ما بَدَأَ بالفعل الماضي، فيكون مَوْضُوعُ السُّورة يدعو إلى القوَّة والقتال، وإذا بُدِئَ بالمضارع «يسبِّح» فيكون موضوعُ السُّورَةِ يَدْعُو إلى الإيمان؛ لأنَّه يتجدَّد، فتكون السُّورةُ وَعْظِيَّةً إيمانيَّةً يناسبها المضارع؟
أمَّا سورة الإسراء فلماذا فُتِحَتْ بالمصدر؟ لم يَأْتِ فيها أَمْرٌ أو فِعْلٌ، بل جاءت بالمصدر؛ لأنَّها جاءت للتَّعظيم، وليست للتَّنزيه.
وإذا تبيَّن هذا كلُّه فإنَّ التَّسبيحَ عِبَادَةٌ جَلِيلَةٌ، وفيه دَلِيلٌ على أنَّالإنسانَ مَطْلُوبٌ منه التَّسْبِيحُ كلَّ وَقْتٍ وَحِينٍ؛ لأنَّ التَّسْبِيحَ هو التَّنْزِيهُ.
وكم نسمع مِنَ الأقوال والأفعال الَّتي لا تَلِيقُ بالمولاجلَّ جلالُه!
في سورة الحشر حينما خُتِمَتِ السُّورةُ بتمجيد الله، وخُتِمَتِ الآيةُ {سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} نَزَّهَ نَفْسَهُ عن الشِّرْكِ حينما يسوُّون الخَالِقَ بالمخلوق؛ {تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} .
وَحِينَمَا طلب الكفَّارُ مِنْ نَبِيِّنَا محمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - أشياء منها: أن يَفْجُرَ لهم من الأرض ينبوعًا، قال في نهاية السِّيَاقِ: {سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا}
هل بإمكانه أَنْ يسوِّي هذه الأُمُورَ كلَّها؟
وحينما تقرأ: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} فإذا رَأَيْتَ إِنْسَانًا يُشَبِّهُ اللهَ بِخَلْقِهِ وَيُمَثِّلُهُ، أو يعطِّل أسماءَه وصفاتِه، فتسبِّح الله.
إذا رَأَيْتَ إِنْسَانًا يعصي اللهَ غَيْرَ مُبَالٍ بمعصيته، فَسَبِّحِ اللهَ.
حينما نسمع شاعرًا أو مادحًا يصف المخلوقَ بصفاتٍ لا تصلح إلاَّ للخالق تقول: سبحان الله.
إذا سها الإمامُ في صلاته تسبِّح؛ لأنَّك تُنَزِّهُ اللهَ عن السَّهو والنِّسيان، وعن هذه الصِّفة؛ إذا نَزَلْتَ تُسَبِّحُ اللهَ؛ لأنَّك تنزِّه الله عن السُّفول.
إذا عَلَوْتَ تُكَبِّرُ اللهَ، وَتُعَظِّمُهُ.
«سبحانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ» ؛ إذا اقْتَرَنَ التَّسْبِيحُ بالحَمْدِ، تنزَّه اللهُ عن النَّقائص، «وَبِحَمْدِهِ» تَصِفُهُ بالكَمَالِ مع المحبَّة والتَّعظيم.
جَمِيعُ المخلوقات تُسَبِّحُهُ بلسان المقال والحال.
قوله: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} .