فهرس الكتاب

الصفحة 226 من 581

{الْعَزِيزُ} أي: الَّذي له الغَلَبَةُ على جَمِيعِ خَلْقِهِ.

و {الْحَكِيمُ} في قَدَرِهِ، وَشَرْعِهِ، وأقواله، وأفعاله.

قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا} .

ناداهم بوصف الإيمان؛ لأنَّهم هم أَهْلُ الاستجابة، وَأَهْلُ الثَّواب؛ فلا يستجيب إلاَّ أَهْلُ الإيمان، ولا يُثَابُ إلاَّ أَهْلُ الإيمان.

قوله: {لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} .

هذا إِنْكَارٌ مِنَ الله على مَنْ يعدُّ عُدَّةً، أو يقول قولًا لا يَفِي به، وَإِنْكَارٌ على من يُخَالِفُ فِعْلُهُقَوْلَهُ.

لأنَّ هذا مِنْ صِفَاتِ أَهْلِ النِّفاق؛ يَعِدُونَ ولا يُوَفُّونَ.

وَمِنْ صِفَاتِ الشُّعراء: «يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ» ، ويدخل فيه كلُّ من دعا إلى خَيْرٍ ولم يَعْمَلْ به.

وما أكثر الَّذين يقولون ولا يفعلون من عَالِمٍ، أو داعيةٍ، أو مدرِّسٍ، أو أبٍ، أو أمٍّ! ونحن من جملة المقصِّرين، نسأل الله أن يتجاوز عنَّا.

وسبب نزول هذه الآية: أنَّجَمَاعَةً من الصَّحابة تذاكروا فقالوا: وَدَدْنَا لو أنَّاللهَ - عَزَّ وَجَلَّ - دَلَّنَا على أحبِّ الأعمال إليه، فنعمل به.

فَأَخْبَرَ اللهُ نَبِيَّهُ - صلى الله عليه وسلم - أنَّأَحَبَّ الأعمال إِيمَانٌ به لا شَكَّ فيه، وَجِهَادُ أهل معصيته الَّذين خالفوا الإيمان، ولم يقرُّوا به.

فلمَّا نَزَلَ الجِهَادُ، كَرِهَ ذلك أُنَاسٌ من المؤمنين، وشقَّ عليهم أَمْرُهُ، فقال الله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} .

قال ابنُ كَثِيرٍ في تفسيره: «وَحَمَلُوا الآَيَةَ - يعني الجمهور - على أنَّها نَزَلَتْ حين تمنَّوا فريضة الجهاد عليهم، فلمَّا فُرِضَ، نَكَلَ عَنْهُ بَعْضُهُمْ.

ولا شَكَّ أنَّالقِتَالَ مَكْرُوهٌ إلى النَّفس، فلمَّا أمر الله بالقتال، شَقَّ على بعضهم، وقالوا: {رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ} .

لِمَ تَعِدُونَ وَعْدًا، أو تقولون قولًا، ولا تَفُونَ به؟

وهذا إنكارٌ على من يُخَالِفُ فِعْلُهُقَوْلَهُ.

هذا تَحْذِيرٌ وَذَمٌّ من الله لكلِّ من قال قولًا أو وَعَدَ وَعْدًا ولم يَفِ به، ويدخل فيه الكذب وإخلافُ الوَعْدِ.

وهذا من صفات المنافقين، ومن صفات الشُّعراء الَّذين تَنْزِلُ عليهم الشَّياطين؛ فما مِنْ شَاعِرٍ إلاَّ ومعه شيطانٌ، ويقولون مالا يفعلونلمَّا تسمع الشَّاعرُ وهو يقول نحن ونحن وكلُّه كذبٌ، وتسمع منه العَجَبَ العُجَابَ من المدائح والشَّجاعة وكأنَّه يحمل الدُّنيا فَوْقَ رَأْسِهِ ومبالغاتٍ «نحن نفعل ونصنع كذا وكذا» .

وكلُّنا مساكين، وفقراء؛ لولا فَضْلُ الله وَسَتْرُهُ علينا، لَهَلَكْنَا.

اليهودُ قالوا في غُرُورٍ: «يا محمَّدُ لا يَغُرَّنَّكَ أنَّك لَقِيتَ قَوْمًا لا عِلْمَ لهم بالحرب» . فَخَذَلَهُمُ اللهُ، وَنَصَرَ نَبِيَّهُ وَأَوْلِيَاءَهُ.

ويدخل في هذا الكَذِبُ في الوَعْدِ؛ أن تَعِدَ إنسانًا بِشَيْءٍ وفي نِيَّتِكَ ألاَّ تَفِي، لا تَعِدْ بِشَيْءٍ ثمَّ لا تفِ.

تجد البعض يَعِدُ بالشَّيءِ وَيُضْمِرُ داخله عَدَمَ الوفاء، أو يقول: إن شاء الله، وفي قَرَارَةِ نَفْسِهِأنَّه لا يَحْضِرُ.

نسأل اللهَ أن يَعْفُوَ عنَّا، وأن يُثَبِّتَنَا على الحقِّ في الوعد.

احذر إذا وَعَدْتَ وَعْدًا ألاَّ تَفِيَ به، ابنُ عُمَرَ لمَّا حَضَرَتْهُ الوفاةُ قَالَ: «إنِّيوَعَدْتُ فلانًا أن أُزَوِّجَهُ، فإذا خطبها فزوِّجوه، أخشى أن أَلْقَى اللهَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنَ النِّفاق» .

وَيَدْخُلُ فيه مَنْ دعا إلى خَيْرٍ ولا يعمل به؛ {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} ، {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت