فهرس الكتاب

الصفحة 227 من 581

عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه- قال: «كان غُلامٌ يهوديٌّ يَخْدِمُ النَّبيَّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ يَعُودُه، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فقال له: «أَسْلِمْ» .

فَنَظَرَ إلى أبيه وهو عنده، فقال له: أَطِعْ أبا القاسم، فَأَسْلَمَ، فخرج النَّبيُّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - وهو يقول: «الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ» . رواه البخاريُّ.

وفي روايةٍ للبيهقيّ: «الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ بِي مِنَ النَّار» .

فَأَسْلَمَ الابْنُ والأبُ لَمْ يُسْلِمْ؛ {لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} ، يَأْمُرُ بالخير ولا يأتيه، وينهى عن الشَّرِّ ويأتيه، فَوَصَفَهُ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بالحمار يَجُرُّأَقْتَابَهُ في النَّار.

قوله: {كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ} .

أَيْ: إِثْمًا، والمَقْتُ هو أَشَدُّ البُغْضِ والكراهية، وَأَكْبَرُ الغضب.

أَلَسْنَا بِحَاجَةٍ إلى مَعْرِفَة شَنَاعَةِ هذا الفعل؟ فليست كَلِمَةً سَهْلَةً حينما قال: {كَبُرَ مَقْتًا} ؛ أي: أَشَدَّ الغضب أو أَكْبَرَ الغَضَب.

أَكَّدَ اللهُ - تعالى - هذا الإنكارَ عليهم بأنَّه أَمْرٌ مَمْقُوتٌ عِنْدَهُ؛ فهوأَمْرٌ يَكْرَهَهُ اللهُ أَشَدَّ الكُرْهِ، وَيَمْقُتُهُ أَكْبَرَ المَقْتِ، وَيُبْغِضُهُأَشَدَّ البُغْضِ.

أعظمُ المَقْتِإخلافُ الوعد والعهد مع الله، وأصبح النَّاسُ اليَوْمَ لا يَفُونَ لا بِعَهْدٍ ولا وَعْدٍ.

والسَّبَبُ أنَّه لمَّا فَسَدَتْ علاقتُنا مع الله، فَسَدَتْ علاقتُنا مع النَّاس. قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «يا عَبْدَ الله بْنِ عمرٍو، كَيْفَ بِكَ إِذَا بَقِيتَ فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ، قَدْ مَرَجَتْ عُهُودُهُمْ وَأَمَانَاتُهُمْ، وَاخْتَلَفُوا، فَصَارُوا هَكَذَا» . وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهْ، قال: فما تأمرني؟ قال: «عَلَيْكَ بِخَاصَّتِكَ، وَدَعْ عَنْكَ عَوَامَّهُمْ» . أبو يعلى و أصله في البخاري.

قوله: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ} .

لأنَّهم لمَّا قدَّموا أغلى ما يحبُّون في طاعة الله وهي أَنْفُسُهُمْ، أَحَبَّهُمُ اللهُ.

والجُودُ بِالنَّفْسِأَقْصَى غاية الجُودِ، وَمَنْ جَادَ بِنَفْسِهِ جَادَ بكلِّ شَيْءٍ؛ لأنَّ الإنسانَ يَبْخَلُ بالمال مِنْ أَجْلِ النَّفْسِ، وَيَجْبُنُ عند اللِّقاء من أجل النَّفس، فكأنَّه إذا جاد بنفسه، جَادَ بكلِّ شَيْءٍ؛ فمن جاد بنفسه، كان دليلًا على محبَّة الله.

قوله: {صَفًّا} .

فالمجاهدون يكونون صفًّا واحدًا؛ لأنَّه أَهْيَبُ للعدوِّ، وأَثْبَتُ لقلوبهم.

قوله: {كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} .

لأنَّه يَدُلُّ على القوَّة؛ فالصَّفُّأَهْيَبُ في القتال، وفي الصَّلاة يَطْرُدُ الشَّيْطَانَ.

-فائدة حَوْلَ هذه الآية:

يَحْرِصُ الإِنْسَانُ على العَمَلِ الَّذي يُقَرِّبُهُ إلى محبَّة الله، وَيَحْرِصُ على محبَّة ما يحبُّه اللهُ، ويبتعد عن العمل الَّذي لا يحبُّه اللهُ.

فكم من الآيات بيَّنت فيه مالا يحبُّه الله؟ كَثِيرٌ.

اللهُ لا يحبُّ الظَّالمين، ولا يُحِبُّ الكافرين، ولا يحبُّ الخائنين.

وهناك أيضًا أَعْمَالٌ كَثِيرةٌ يحبُّها اللهُ؛ فهو يحبُّ المتَّقين، ويحبُّ الصَّابرين، ويحبُّ المحسنين.

فإذا اكتمل الإيمانأَصْبَحَ الإنسانُ يحبُّ ما يحبُّه الله من الأزمنة ومن الأمكنة ومن الأقوال ومن الأعمال، فيحبُّ ما يحبُّه اللهُ، وَيُبْغِضُ ما يُبْغِضُهُ اللهُ.

قوله: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت