فهرس الكتاب

الصفحة 228 من 581

لم يبيِّن الله نَوْعَ هذا الإيذاء، ولكن يظهر أنَّالإيذاءَ في جانب الرِّسالة، لا في جانبه الشَّخصيِّ، كما في سورة الأحزاب.

وقد لَقِيَ موسى - عليه السلام - مِنْأَذَى قَوْمِهِ الشَّيْءَ الكثير؛ فقد آَذَوْهُ بأنواع الأذى؛ بالقول والفعل، وَكَابَدَهُمْ، وكلَّما أمرهم بِشَيْءٍ، تلكَّأوا، وَتَعَنَّتُوا.

قوله: {وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ} .

أي: قد تحقَّق لَدَيْكُمْ وَعَلِمْتُمْ أنّالله أرسلني، وأنَّ ما جِئْتُ به هو الحقُّ.

ومع ذلك يُؤْذُونَهُ؛ سَوَاءٌ بالقول، أو الفعل، وهم يعلمون أنَّه على الحقِّ، وأنَّه رَسُولُ الله، وهذا أَبْلَغُ في العناد.

وأصرُّوا على الأَذِيَّةِ؛ سَوَاءٌ بالقول، أو الفعل، فقالوا له عندما أمرهم بطاعة الله: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا.

وقالوا له أيضًا: أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً، وقالوا له: اجْعَلْ لنا إلهًا كما لهم آَلِهَةٌ، وقالوا له: اذْهَبْ أَنْتَ وربُّك فقاتلا إنَّا هاهنا قاعدون، وكلُّ هذا يؤكِّد عِنَادَهُمْ.

فالعلمُ برسالته يوجب التَّعظيم والاحترام والتَّكريم، ويمنع إيذاءُه؛ لأنَّ من عظَّم الله عظَّم رُسُلَهُ؛ لأنَّه رَسُولٌ من عند الله.

الخِطَابُ هنا لا يَخْتَصُّ بموسى - عليه السلام - فقط، بل يَشْمَلُ كلَّ مَنْآذى دعاةَ الخير بِقَوْلٍ، أَوْ فِعْلٍ، وهم يدعون إلى الحقِّ.

قوله: {فَلَمَّا زَاغُوا} .

الزَّيْغُ: هو المَيْلُ عن طريق الحقِّ؛ أي: فلمَّا عَدَلُوا عن اتِّباع الحقِّ مع علمهم به، أزاغ اللهُ قلوبَهم عن الهدى.

أي: زاغوا بما آذوا به موسى - عليه السلام -، وعدلوا عن الحقِّ مع علمهم به، وأصرُّوا على الإيذاء.

فكان إيذاءُ قَوْمِهِ له زَيْغًا وضلالًا.

قوله: {أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} .

بيَّن- سبحانه- ما ترتَّب على إيثارهم الغَيَّ على الهدى، والاستمرارَ في العناد، فأسند الزَّيْغَ للقلب.

أي: صَرَفَ اللهُ قلوبَهم عن قبول الحقِّ والهداية، وهذه عُقُوبَةٌ من الله لِمَنْ عَرَفَ الحقَّ وَتَرَكَهُ رَغْبَةً عنه؛ فإنَّهُ يُعَاقَبُ في قَلْبِهِ.

وأصلُ الزَّيْغِ يَكُونُ في القلب والبصر، وهو المَيْلُ عن الهدى إلى الضَّلال، والهدايةُ أيضًا تكون في القلب.

ولذا حَرِصَ المؤمنون على هذا الدُّعاء: {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا} .

فتضمَّن المَعْنَيَيْنِ؛ الاستعاذةَ من الزَّيغ، وطلبَ الهداية.

قوله: {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} .

فيه دَلِيلٌ على أنَّالعبدَ قد يُحْرَمُ الهِدَايَةَ لِسَبَبٍ فيه؛ فالعلَّةُ في العبد نَفْسِهِ، والسَّبَبُ: لمَّا عدلوا عن الحقِّ مع علمهم به، أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ عن الهُدَى بسبب خروجهم عن طاعة الله.

-فائدةٌ حَوْلَ هذه الآية:

نأخذ منها أنَّأَذِيَّةَ كلِّ من يدعو إلى الخير سواءٌ بالقول، أو بالفعل يدخلون تحت هذه الآية؛ فكم مِنْ دَاعِيَةٍ للخير يقف يحذر من شرٍّ، ثمَّ يقف إنسانٌ يؤذيه بقولٍ، أو فعلٍ!

فَلَهُ نَصِيبٌ من قوله: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} ، تَسْمَعُ داعيةً للخير وَيَعِظُ النَّاسَ ثمَّيقوم شَخْصٌ و يتنقَّصُه؛ سَوَاءٌ وَقْتَ الدَّعوة، أو بَعْدَهَا.

فإذا رأينا إنسانًا يَدْعُو إلى الخير، أو الطَّاعة ثمَّ يقوم شَخْصٌ يؤذيه بقوله، أو فعله؛ فله نَصِيبٌ من الزَّيغ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت