فهرس الكتاب

الصفحة 235 من 581

هو نبيُّنا محمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم -؛ بَعَثَهُ اللهُ مِنْهُمْ إلى النَّاس جميعًا؛ لأنَّه لو جاءهم رسولٌ لا يعرفونه، ما اتَّبعوه؛ فهو منهم، وَمِنْ نَسَبِهِمْ، ويتكلَّم بِلُغَتِهِمْ، ويعرفونه، ويعرفهم.

وهو أُمِّيٌّ لا يقرأ ولا يكتب.

والأمِّيَّةُ في حَقِّهِ- صلَّى الله عليه وسلَّم - مَدْحٌ، وفي حَقِّ غَيْرِهِ ذَمٌّ؛ فَفِي حَقِّهِ مَدْحٌ لأنَّه جَاءَ بِكِتَابٍ لا يستطيع البَشَرُ كلُّهم أَنْيَأْتُوا بِمِثْلِهِ، أو بِسُورَةٍ منه.

فلمَّا كان لا يقرأ ولا يكتب وجاءهم بهذا الكتاب العظيم، دلَّ ذلك على صِدْقِ رِسَالَتِهِ.

قوله: {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ} .

أي: يقرأ عَلَيْهِمُ القرآنَ؛ أي: يتلوه عَلَيْهِمْ تِلاوَةً مُرَتَّلَةً.

قوله: {وَيُزَكِّيهِمْ} أَيْ: يُطَهِّرُهُمْ مِنَ العَقَائِدِ الفَاسِدَةِ، والأَخْلاقِ السَّيِّئَةِ؛ فطهَّرهم في عقائدهم، ومعاملاتهم، وفي أخلاقهم وفي مأكلهم، ومشربهم، وفي أموالهم، فَطَهَّرَهُمْ من المكاسب الخَبِيثَةِ.

قوله: {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ} .

علَّمهم القرآنَ، وَبَيَّنَ لهم أَحْكَامَهُ، حتَّى أَصْبَحُوا مُتَعَلِّمِينَ يَقُودُونَ العَالَمَ بالعلم، وَقَدْ بَقِيَ على أُمِّيَّتِهِ صلَّى الله عليه وسلَّم.

ماذا كان العرب قبل نبيِّنا محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم؟

كانوا متفرِّقين ومتناحِرِينَ يَغْزُو بَعْضُهُمْ بَعْضًا.

قوله: {وَالْحِكْمَةَ} أَيِ: السُّنَّةَ؛ فهي مُفَسِّرَةٌ للقرآن وَمُوَضِّحَةٌ له.

والحِكْمَةُ تُطْلَقُ على السُّنَّةِ النَّبويَّةِ، وَتُطْلَقُ على الفِقْهِ في الدِّينِ وَفَهْمِ الآيات والأحاديث، وَتُطْلَقُ على العِلْمِ النَّافع المَصْحُوبِ بِالعَمَلِ.

وهذه أَعْظَمُ نِعَمِهِ؛ أَصْبَحُوا عُلَمَاءَ بعد أن كانوا أُمِّيِّينَ، وقادوا العالم، وسادوا البلاد والعباد، وكلُّه بفضل الله، وَبَرَكَةِ القرآن والسُّنَّة.

قوله: {وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ} .

أي: مِنْ قَبْلِ بَعْثَتِهِ- صلَّى الله عليه وسلَّم - في انْحِرَافٍ، وَتِيهٍ عن الحقِّ، وجاهليَّةٍ جَهْلاءَ، وَعَمَايَةٍ عَمْيَاءَ.

و: {لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} أي: في ضَلالٍ في عقائدهم، ودينهم، ودنياهم، ومعاملاتهم.

كما قال جَعْفَرُابْنِ أبي طالبٍ: «أيُّها المَلِكُ، كُنَّا في جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ، كُنَّا نَعْبُدُ الأَصْنَامَ، وَنَأْكُلُ المَيْتَةَ، وَنَقْطَعُ الأَرْحَامَ، وَنُسِيءُ الجِوَارَ، وكان السَّلْبُ والنَّهْبُ والقَتْلُ، وكنَّا نأتي الفواحشَ، وكان القَوِيُّ مِنَّا يَأْكُلُ الضَّعِيفَ - فَعَمَّ الفَسَادُ على وَجْهِ الأرض، وَنَظَرَ اللهُ إلى أهل الأرض عَرَبِهِمْ، وَعَجَمِهِمْ، فَمَقَتَهُمْ إلاَّ بَقَايَا مِنْ أهل الكتاب، فَرَحِمَ اللهُ أَهْلَ الأَرْضِ - فَجَاءَ اللهُ بِرَجُلٍ مِنَّا نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وأَمَانَتَهُ، فدعانا إلى عبادة الله وَحْدَهُ، فَصَدَّقْنَاه وَآَمَنَّا به، وَاتَّبَعْنَاهُ» .

فتحقَّقت بِبَعْثَتِهِ - صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِدَّةُأُمُورٍ تُحَوِّلُ الخَوْفَ إلى أَمْنٍ، وتحوَّلت العداوةُ والبغضاءُ إلى مَحَبَّةٍ، وتحوَّلت الفُرْقَةُ والاختلافُ إلى وَحْدَةٍ وَاجْتِمَاعٍ.

فإذا عَمُرَتِ الأَرْضُ بالتَّوحيد والطَّاعات، صَلُحَتْ، وَحَصَلَتِ الأُلْفَةُ والاجتماع، كما قال الله: {سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} .

وإذا عَمُرَتِ الأَرْضُ بالشِّرْكِ والمعاصي، حَصَلَتِ الفُرْقَةُ والاختلافُ؛ {فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ} .

ومختصرُ القَوْلِ: جَاءَ اللهُ بهذا الخير، وهذا الدِّين على يدي نبيِّنا محمَّدٍ- صلَّى الله عليه وسلَّم - واجتمع فيه خَيْرَيِ الدُّنيا والآخرة.

-دروس مستفاده مما سبق:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت