فهرس الكتاب
-الأوَّلُ: كيف كان حالُ العرب قَبْلَ مَبْعَثِ نَبِيِّنَا محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم؟ كانوا في جاهليَّةٍ وَشَرٍّ.
-الثَّاني: كيف أصبح حال النَّاس بعد مبعث نبيِّنا مُحَمَّدٍ- صلَّى الله عليه وسلَّم - وكيف حقَّق الإسلامُ والإيمانُ للنَّاس سَعَادَةَ الدُّنيا والآخرة؟
من أجل أن يتمسَّك النَّاس بهذه النِّعمة قال عُمَرُ: «نحن قومٌ أعزَّنا الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العزَّة بغيرهأذلَّنا الله» .
وقال أيضًا عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه: «إنَّما تُنقَضُ عُرَى الإسلام عروةً عروةً إذا نشأ في الإسلام من لم يَعْرِفِ الجاهليَّة» .
فعلى الأمَّة أن تتمسَّك بهذه النِّعْمَةِ الَّتي تحقِّق لها سَعَادَةَ الدُّنيا والآخرة؛ فَفِي الدُّنيا رَغَدُ العَيْشِ، والأَمْنُ والإيمان، وَحُسْنُ المَالِ في الآخرة، وإذا ذهبت هذه النِّعْمَةُ حَلَّ مكانها الكُفْرُ؛ {بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا} .
قوله: {وَآَخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ} اخْتُلِفَ في اللِّحاق؛ هل هو اللِّحاق في الزَّمان أو في الفَضْلِ والسَّبق؟
وعلى التَّقْدِيرَيْنِ فامتنَّ اللهُ عليهم، عِلْمَهُمْ بَعْدَ الجَهْلِ، وهُدَاهُم بعد الضَّلالة فَاقَت المِنَنَ والفضائلَ كلَّها.
قيل: «هم من العرب ممَّن سيأتي بعد الجيل الَّذي بُعِثَ فيهم الرَّسولُ صلَّى الله عليه وسلَّم» .
وقيل: «مِنَ العَجَمِ؛ سَيَلْحَقُونَ بالعَرَبِ في هذا الدِّين، وَيُسْلِمُونَ» .
أخرج البخاريُّ وغيرُه عن أبي هريرة قال: كنَّا جلوسًا عند النَّبيِّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - حين أُنْزِلَتْ سُورَةُ الجُمُعَةِ، فتلاها، فلمَّا بَلَغَ: {وَآخرينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ} قال له رَجُلٌ: يا رسولَ الله، من هؤلاء الَّذين لم يلحقوا بنا؟
فَوَضَعَ- صلَّى الله عليه وسلَّم - يَدَهُ على سلمان الفارسيِّ، وقال:
«والَّذي نفسي بيده لو كان الإيمانُ بالثُّرَيَّا، لَنَالَهُ رِجَالٌ من هَؤُلاءِ ... »
وعند مُسْلِمٍ مَرْفُوعًا: «لَوْ كَانَ الإِيمَانُ عِنْدَ الثُّرَيَّا، لَتَنَاوَلَهُ رِجَالٌ مِنْ فَارِسٍ» .
وفعلًا خَرَجَ مِنْ فَارِسٍ علماءُ في اللُّغَةِ، والفِقْهِ، والحديث، وخدموا الإسلامَ خِدْمَةً عَظِيمَةً.
ولا مَانِعَ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ الأَمْرَيْنِ؛ أي: مِنَ العَرَبِ وَغَيْرِهِمْ؛ فهي في كلِّ مَنْ يَأْتِي بَعْدَ الصَّحَابَةِ مِنْ أَهْلِ الإسلام إلى يوم القِيَامَةِ؛ سَوَاءٌ كانوا من العَرَبِ أَوِ العَجَمِ.
قوله: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} .
العَزِيز: مِنَ العِزَّةَ؛ وَهُوَ القَوِيُّ الَّذي لا يُغْلَبُ، والحَكِيمُ؛ أي: في صُنْعِهِ وَتَدْبِيرِهِ.
قوله: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُوَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} .
بيَّن اللهُ سَبَبإِعْطَاءِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - النُّبُوَّةَ العظيمة، وما اختصَّ به أمَّته من الخصائص العظيمة.
فعلَّل ذلك تفضُّلًا منه وَنِعْمَةً؛ فَهَدَى اللهُ النَّاسَ بِبَرَكَةِ نبوَّة محمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - هِدَايَةًجَلَّتْ عَنْ وَصْفِ الوَاصِفِينَ، حتَّى حَصَلَ لأمَّتِهِ من العُلُومِ النَّافعة والأخلاق العظيمة والسُّنَنِ المُسْتَقِيمَةِ مالَوْجَمَعْتَ حِكْمَةَ الأمم السَّابقة علمًا وعملًا. (لم تكتمل)
وَلِذَلِكَ فُرِضَ علينا أن نَسْأَلَ الله - تعالى - كلَّ يَوْمٍ في صلاتنا الهِدَايَةَ، وَوَصَفَهُ بِصِرَاطِ الَّذِينَأَنْعَمَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المغضوب عليم ولا الضَّالِّين.
بَعْدَهَا بَيَّنَ اللهُ سَبَبَ انْحِرَافِ بَنِي إسرائيل عن شَرِيعَةِ الله، وَحَمْلِهِمُ التَّوْرَاةَ وَتَرْكِ العَمَلِ بها ظنًّا منهم أنَّتفضيلَهم وخيريَّتَهم بسبب الجنس والنَّسب.
وهذا لا اعْتِبَارَ لَهُ؛ فَكَوْنُ نَسَبِهِمْ يَنْتَهِي إلى يعقوب فلا اعتبارَ له؛ لأنَّ الخَيْرِيَّةَ والتَّفْضِيلَ يَكُونُ بالإيمان، والعِزُّ يَكُونُ بالتَّقْوَى، وَمَنْ كَفَرَ بالله فلا اعْتِبَارَ له، إنَّما العِزَّةُ لله ورسوله وللمؤمنين.
وقد أَصَابَ بَنِي إسرائيل بما عندهم من عِلْمٍ كِبْر، ٌ وَغُرُورٌ، وَعُجْبٌ، وَتَطَاوُلٌ، وظنُّوا أنَّهم شَعْبُ الله.