فهرس الكتاب

الصفحة 237 من 581

وَمَنْ عِنْدَهُمْ عِلْمٌ، فلم يَعْمَلُوا به، فالحُجَّةُ عَلَيْهِم أَشَدُّ، وَفَضَّلَ اللهُ اليهودَ الأوَّلِينَ بِمَا عِنْدَهُمْ من الإيمان، وَمَنْ كَفَرَ فلا اعتبارَ له، والتَّفْضِيلُ لهم ليس مستمرًّا؛ فقد أَنْعَمَ اللهُ عليهم نِعَمًا كَثِيرَةً، وَجَعَلَ فِيهِمْأنبياء، وأَنْزَلَ عليهم كُتُبًا، وأَنْقَذَهُمْ مِنأُمُورٍ كَثِيرَةٍ، وهذا يدعوهم إلى الشُّكْرِ.

وَمِنَ الشُّكْرِ اتِّبَاعُ نَبِيِّنَا محمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -، ولا يَنْبَغِي لَهُمْ وَهُمْ مِنْ أَهْلِ الكتاب الكُفْرُ بِمُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -؛ فمنهم من آَمَنَ، وَكَثِيرٌ منهم فاسقون.

قوله: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} .

كَلِمَةُ «حُمِّلُوا» أَيْ: كُلِّفُوا، وأُمِرُوا بالعَمَلِ بالتَّوْرَاةِ.

لمَّا ذَكَرَ اللهُ فَضْلَهُ وَكَرَمَهُ عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ بِبَعْثَةِ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ- صلَّى الله عليه وسلَّم -أَشَارَ إلى السَّبَبِ المُوجِبِ لِنَقْلِ النُّبُوَّةِ عن بني إسرائيل كُلِّيَّةً إلى العرب بسبب كُفْرِهِمْ.

وَأَصْلُهُ مِنْ جِهَةِ عَدَمِ العَمَلِ بِعِلْمِهِمْ؛ فَهُمْ يَعْلَمُونَ الحَقَّ ولا يتَّبعونه؛ لا قَوْلًا، ولا عَمَلًا، فَنَقَلَهَا اللهُ إلى قَوْمٍ أَحَقَّ بِهَا، وبالقيام بها.

فاليَهُودُ كُلِّفُوا بِاتِّبَاعِ مُحَمَّد- صلَّى الله عليه وسلَّم - وإظهار صفاته للنَّاس، فخانوا، وحرَّفوا، وبدَّلوا؛ فلم ينفعهم ما في كتابهم من العلوم.

وَكَفَرَ النَّصَارَى مِنْ جِهَةِ عَمَلِهِمْ بِلا عِلْمٍ؛ فهم يَجْتَهِدُونَ في أَصْنَافِ العبادات بِلا شَرِيعَةٍ مِنَ اللهِ، وَيَقُولُونَ على الله ما لا يعلمون.

فشبَّهَهُمْ بالحِمَارِ الَّذِي يَحْمِلُأَسْفَارًا؛ لأنَّهم حُمِّلُوا الكِتَابَ بِدُونِ عَمَلٍ.

فَمِنْ جَهْلِهِمْ شَبَّهَهُمْ بِالحِمَارِ في حَمْلِهِمُ التَّوْرَاةَ وَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ على سعادة الدُّنيا والآخرة، فَأَعْرَضُوا عن الالتزام بها، وهذا غايةُ الجهل.

فهم حَفِظُوهَا ولم يفهموها، ولم يعملوا بها، فشبَّههم بهذا الشَّبَهِ الخبيث؛ لأنَّ الغَايَةَ مِنْ إِنْزَالِه فَهْمُهُ، والعملُ به، فاهتمُّوا بالوسيلة، وَضَيَّعُوا الغَايَةَ.

وَمَنْ حَفِظَهُ وَلَمْ يَعْمَلْ به كان حُجَّةً عليه.

وَمَنْهَجُ السَّلَفِ الصَّالح أنهم كما قال ابنُ مَسْعُود: «ما كنَّا نَتَجَاوَزُ عَشْرَ آَيَاتٍ حتَّى نَعْلَمَ ما فيهنَّ من العلم والعمل» .

فلنتعلَّم العلم والعمل معًا جميعًا، ووالله لو عَمِلَتِ الأُمَّةُ بكتاب الله، لَسَادَتْ وَقَادَتِ العَالَمَ.

ولهذا قال سُفْيَانُ ابْنِ عُيَيْنَةَ: «منْ فَسَدَ مِنْ عُلَمَائِنَا فَفِيهِ شَبَهٌ من اليهود، وَمَنْ فَسَدَ من عبادنا فَفِيهِ شَبَهٌ من النَّصارى» .

وفي هذه الآية تَحْذِيرٌ لطلاَّب العلم وحملته؛ للحذر أن يَحْمِلُوا الكتابَ بدون عَمَلٍ.

قوله: {بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ} .

أضاف- سبحانه- إلى ذمِّ هؤلاء اليهود ذمًّا آخر فقال: {بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ} ؛ سَوَاءٌ كانوا من اليهود أو النَّصارى أو من هذه الأمَّة.

كذَّبوا بآيات الله الدَّالَّة على صِدْقِ رسوله، فلم يعملوا بها؛ اكتفوا بِحَمْلِهَا وتلاوتها بدون عملٍ.

فهم أَسْوَأُ حالًا من الحمير؛ لأنَّ الحِمَارَ لا فهمَ له، وهؤلاء لهم فُهُومٌ لم يستعملوها، وهذا حَالُ من كذَّب بآيات الله.

قوله: {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} .

بيَّن السَّبَبَ في عدم توفيقهم للهداية؛ لأنَّ من هذه صفته، يحملون الكتاب بدون عملٍ، فهذا ظالمٌ، ولا يوفَّقون للعمل والهداية، وحرمهم اللهُ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ؛ فكأنَّهم لا يُبَالُونَ بعظمة الله وعقابه.

وَمِنْ ثَمَّ العبدُ التَّقِيُّ الَّذي إذا ذُكِّرَ به ذَكَرَ، وإذا خُوِّفَ بالله خاف، وذكر عَظَمَةَ الله وَعِقَابَهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت