فهرس الكتاب

الصفحة 238 من 581

وفي المقابل إذا استمرَّ العبدُ في المعاصي، وأصرَّ عليها، وتجرَّأ على الوقوع في محارم الله والسَّببُأنَّه لا يبالي بعظمة الله وعقابه.

قوله: {قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ} .

زَعَمَ اليَهُودُأنَّهم أولياءُ الله، ولكن لم يحقِّقوا الولايةَ والمحبَّةَ؛ لأنَّ وِلَايَةَ الله لا تَحْصُلُ إلاَّ بالإيمان والتَّقوى.

فأمَّا الزَّعْمُ فلا ينفع، وَمِنْ ثَمَّ لمَّا بيَّن اللهُ حَالَ اليَهُودِ مع كتابهم، بَيَّنَ هنا بَعْضَ انْحِرَافَاتِهِمْ، وَدَعَاوِيهِمُ العَرِيضَةِ، وهي اعتقادُهم أنَّلهم المَكَانَةَ السَّامِيَةَ عند الله، فكانت اليهودُ تعتقد أنَّهم صَفْوَةُ الله مِنْ خَلْقِهِ، وأنَّهم أَبْنَاءُ الله وأَحِبَّاءُهُ، كذبًا وَزُورًا.

فلمَّا كانوا يقولون أنَّهم أولياءُ الله دونَ النَّاس، تحدَّاهمُ اللهُ بهذه الآية.

وَأَمَرَ رَسُولَهُأن يقول لهم هذا؛ لِيَكْشِفَ لهم كَذِبَهُمْ، ودعاهم إلى المُبَاهَلَةِ.

قوله: {قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا} أي: دانو بدين اليهود، وهذا على سَبِيلِ التَّحَدِّي، والتَّعْجِيزِ، والتَّبْكِيتِ.

قوله: {إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِمِنْ دُونِ النَّاسِ} .

أي أنَّكُمْأَبْنَاءُ الله وأَحِبَّاءُهُ، وأولياءُه، وأنَّ الجَنَّةَ لَكُمْ دُونَ غَيْرِكُمْ.

قوله: {فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ} طَلَبَ منهم المُبَاهَلَةَ؛ أَيِ: ادعوا على أنفسكم بالموت من أجل أن تصلوا إلى هذه الكرامة.

لأنَّ الحَبِيبَ يحبُّ لِقَاءَ حَبِيبِهِ، وَمَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ، أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ.

وهذا مِنْ بَابِ المُبَاهَلَةِ؛ تعالوا ندعو بالموت على الضَّالِّ مِنَّا، فَأَبَوْا ذلك على الرَّسول - صلى الله عليه وسلم -، وَلَوْ فَعَلُوا لَمَاتُوا.

{إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} .

أي: في دعواكم أنَّكم أولياءُ لله؛ فاللهُ يَعْلَمُأنَّهم على باطلٍ.

وهذا يَدُلُّ على أنَّهم عرفوا الحقَّ، ولا يريدوا اتِّباعَه.

قوله: {وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا} .

لأنَّهم يَكْذِبُونَ وَيَعْلَمُونَأنَّهم على بَاطِلٍ، وهم أَحْرَصُ النَّاس على حياةٍ؛ لأنَّهم يعلمون مالهم من العذاب عند الله؛ فَقَدْ كَفَرُوا بالله، وَعَصَوْا رُسُلَهُ.

-مسألة: هل يجوز تَمَنِّي المَوْتِ؟

يُكْرَهُ للمسلم تمنِّي الموت؛ ففي الحديث عَنْأَنَسٍ: «لَا يَتَمَنَّأَحَدُكُمُ المَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ» .

في رِوَايَةِ البُخَارِيِّ: «إِمَّا مُحْسِنًا، فَلَعَلَّهُ يَزْدَادَ، وَإِمَّا مُسِيئًا، فَلَعَلَّهُ يُسْتَعْتَبُ» . وهذا محمولٌ على الضَّرر في الدُّنيا.

أمَّا لَوْ تَضَرَّرَ الإنسانُ في دِينِهِ وَخَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ الفِتْنَةَ، فقد جَازَ ذَلِكَ، كما حصل لمريم عند المخاض

وَيَجُوزُ أَيْضًا تَمَنِّي المَوْتِ عِنْدَ حضور أسباب الشَّهادة، كما في حديث: «بَخٍ بَخٍ» .

وَكَذَلِكَ شَوْقًا إلى لقاء الله إذا وَثَقَ بعمله.

قوله: {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} أي: يَعْلَمُونَ ما قدَّمت أيديهم من الكفر، والأَذِيَّةِ؛ فهم يَكْرَهُونَ الموت؛ لأنَّه يوصِّلهم إلى ما يكرهون من العذاب.

قوله: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} .

أي: اللهُ عَلِيمٌ بِأَحْوَالِ الظَّالمين؛ فلا يَرُوجُ عليه الدَّعاوى والكذبُ.

واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالمين؛ لأنَّهم عَرَفُوا الحَقَّ، ولا يريدون اتِّبَاعَهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت