والسَّبَبُ الَّذي يمنعهم من قبول الحقِّ الحَسَدُ؛ لأنَّ الحَسَدَ شَأْنُهُ عَظِيمٌ؛ يَأْكُلُ الحَسَنَاتِ، وهذا من صفات اليهود، وهذا سيقع في هذه الأمَّة.
وإذا تأمَّلْنَا خطورة الحسد: فما الَّذي أخرج إِبْلِيسُ من الجنَّة؟ الحَسَدُ.
وما الَّذي حَمَلَ إِخْوَةَ يُوسُفَ على الهَمِّ بِقَتْلِأَخِيهِمْ، وَرَمْيِهِ بِغَيَابَةِ الجُبِّ، وعقوقهم لأبيهم إلاَّ الحَسَدَ؟.
المَرْأَةُ تَغَارُ مِنْ ضَرَّتِهَا، ومن شدَّة غَيْرَتِهَا قد تقتل زَوْجَهَا.
وقد حصل أنَّ عائشة - رضي الله عنها - مع صَلاحِهَا - أخذتهاالغيرة فقالت في شأن خديجة
-رضي الله عنها: «قد أَبْدَلَكَ اللهُ خَيْرًا منها» . رواه البخاري.
والحسد: يحمل صاحبَه على الهلاك، ويعاني صاحبُه منه معاناةً عَظِيمَةً لا يعلمها إلاَّ اللهُ.
وصاحبُ الحَسَدِ ما يتحمَّل قَبُولَ الحَقِّ، ولو كان فيه هلاكُه، وصاحبُ الحسد لا يترك الحسد، ولا ما حَسَدَ عليه ولو فيه هَلاكُهُ، فَنَعُوذُ بالله من الحسد.
ويفرح لو أصاب غَرِيمَهُ مُصِيبَةٌ، واليهودُ فيهم كِبْر، ٌ وَحَسَدٌ، ولكن الحسد يغلب عليهم، وإذا اجتمع الكِبْرُ والحَسَدُ، فذاك الهلاكُ.
قوله: {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُفَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ} .
لمَّا لم يَدْعُوا على أَنْفُسِهِمْ بالموت كَرَاهِيَةَ الموت، وفرارًا منه، ورغبةً في الحياة، بَيَّنَ - تعالى - هنا أَنَّ المَوْتَ الَّذي يكرهونه نَازِلٌ بهم؛ إِنْعَاجِلًا أَوْ آَجِلًا.
فَهَلَعُهُمْ من الموت مهما اشتدَّ لن يفيدهم شيئًا؛ لأنَّ المَوْتَ نازلٌ بهم لا مَحَالَةَ.
قوله: {ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} .
أي: بعد هلاككم سترجعون إلى الله- تعالى- الَّذي يعلم السِّرّ، َ والعلانية، والجَهْر، َ والخفاء، فيجازيكم على أعمالكم.
والمرادُ: سيحاسبكم على أعمالكم.
وطولُ العُمُرِ لا ينجيهم من عذاب الله، ولن يُزَحْزِحَهُم طُولُ العُمُرِ عن العذاب.
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا} .
نادى أَهْلَ الإيمان؛ لأنَّهم أَهْلُ الاستجابة؛ فلا يستجيب إلاَّ أَهْلُ الإيمان، ولا يثيب اللهُ إلاَّ أَهْلَ الإيمان.
قوله: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ} .
المرادُ بالنِّداء أَيِ: الآَذَانَ الَّذي بين يدي الخطيب، وهو جالسٌ على المنبر.
فلم يَكُنْ مَعْرُوفًا في عهد النَّبيِّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - سِوَى هذا الأذان، فَأَمَرَ الله المؤمنين بالاجتماع لعبادته يوم الجمعة.
أمَّا الأذانُ الأَوَّلُ فهو سُنَّةٌ من سنن الخلفاء الرَّاشدين، وهو بَاقٍ وَمَشْرُوعٌ، والغَرَضُ منه التَّأَهُّبُ لصلاة الجمعة، وكذلك الأَذَانُ الأَوَّلُ في صلاة الفجر، فَيَسْتَيْقِظَ النَّائِمُ، وَيَسْتَرِيحَ المُتَهَجِّدُ.
قوله: {مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ} .
سُمِّيَ يَوْمُ الجُمُعَةِ بالجُمُعَةِ؛ لأنَّهُ مُشْتَقٌّ من الجَمْعِ؛ فإنَّ أَهْلَ الإِسْلامِ يَجْتَمِعُونَ فِيهِ في كُلِّ أُسْبُوعٍ مَرَّةً.
وكانوا يسمُّون يوم الجُمُعَةِ يَوْمَ العُرُوبَةِ؛ أَيِ: اليَوْمَ المُبَيَّنَ المُعَظَّمَ.
وفيه كَمُلَ جَمِيعُ الخَلائِقِ؛ فإنَّه اليَوْمُ السَّادِسُ من السِّتَّةِ أيَّامِ الَّتي خَلَقَ اللهُ فيها السَّمَاوَاتِ والأَرْضَ.
فاللهُ خَلَقَ الكَوْنَ في سِتَّةِ أَيَّامٍ ابْتِدَاءً بالأَحَدِ، وَانْتِهَاءً بالجُمُعَةِ.
وكان آَدَمُ آَخِرَ المَخْلُوقَاتِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَكَلَّفَهُ اللهُ بِالمُهِمَّةِ، وَهِيَ عِبَادَةُ اللهِ، فَسَخَّرَ اللهُ هذا الكَوْنَ كُلَّهُ لآدم وذرِّيَّته، وكلَّف آَدَمَ بالمهمَّة، وهي عبادةُ الله، فَمَنأَطَاعَ اللهَ دَخَلَ الجَنَّةَ، ومن كفر دَخَلَ النَّارَ.