فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 581

فقد بَدَأَتْبالقضيَّة الأساسيَّة الَّتي أنكرها كفَّارُ قُرَيْشٍ؛ وهي تكذيبُ رَسُولِ الله، وإنكارُ البَعْثِ والنُّشورِ، والتَّكذيبُ بالقرآن، ثمَّ أُتِيَ بالآياتالكونيَّةالدَّالَّة على صحَّة الآياتالشَّرعيَّة، ثم ذِكْرِ نماذج من الأُمَمِ السَّابقةالمكذِّبة، وما حلَّ بهم من عقوباتٍ.

ثمّ ذكر الحَدِيثِ عن سكرة الموت، وَحَسْرَةِ الفَوْتِ، وَهَوْلِ الحساب، وما يلقاه المُجْرِمُ من هَوْلٍ وَشَدَائِدَ تَنْتَهِي به إلى إلقائه بالجحيم.

خُتِمَتِ السُّورةُ بالحديث عن صَيْحَةِ الحقِّ، ورجوع الأرواح إلى أجسادها للحشر، والخروج من القبور، والتَّذكير بالقرآن لمن يخاف الوعيد.

وإذا تَبَيَّنَ هذا كلُّه فقد بدأت السُّورةُ بـ:

قوله {قوَالْقُرْآَنِالْمَجِيدِ} : حَرْفُ القاف من الحروف المقطَّعة في أوائل السُّوَرِ، وقد اختلف المفسِّرون في الحِكْمَةِ من افتتاح هذه السُّوَرِ بهذه الحروف.

القول الأوَّل: أكثرُ المفسِّرون قالوا: «عِلْمُهَا عند الله» . فاللهُ أَعْلَمُ بمراده منها؛ فَهِيَ من المُتَشَابِهِ.

وهو على قِسْمَيْنِ: متشابهٍ يُرَدُّ عِلْمُهُ إلى الله؛ مثلَ الكيفيَّة في معنى الأسماء والصِّفات وحقيقة ما في الجنَّة والنَّار؛ إنَّما يُعْرَفُ تَأْوِيلُهَا إذا وَقَعَتْ كما في قَوْلِ يوسف: «هذا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ، قد جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا» . فَمَا عُرِفَتإلاَّ بَعْدَ وُقُوعِهَا.

والقِسْمُ الآَخَرُ من المُتَشَابِهِ يُرَدُّ إلى المُحْكَمِ، ويعلمه الرَّاسخون في العلم.

والقول الثَّاني: «إنَّالحروفَ المقطَّعةَ فيها إشارةٌ إلى الإعجاز؛ لأنَّ اللهَ جَعَلَ القُرْآَنَ عَرَبِيًّا مركَّبًا من هذه الحروف الثَّمانية والعشرين؛ بَدْءًا بالألف، وانتهاءًا بالياء، وأنتم عاجزون أن تأتوا بِمِثْلِهِ، أو بسورةٍ؛ ولو اجتمعت الإنسُ والجنُّ لا يأتون بِمِثْلِهِ، ولو كان بعضُهم لبعضٍ ظَهِيرًا.

فالله- تعالى - تحدَّى العرب أن يأتوا بمثله، وقد بلغوا أعلى درجات البلاغة والفصاحة أثناء نزوله. فإن قالوا عن القرآن: إنَّه شِعْرٌ. فَلْيَأْتُوا بِشِعْرٍ مِثْلِهِ؛ لِمَا قاسُوهُ بالشِّعْرِ، وَقِسْ عَلَيْهِ».

قوله: {والقُرْآنِ المَجِيد} : الواوُ وَاوُ القَسَمِ؛ فالقرآنُ كلامُ الله؛ مِنْهُ بَدَأَ، وَإِلَيْهِ يَعُودُ. بحرف وصوت ولفظه ومعناه

ويَجُوزُ القسمُ بالله وبصفاته، فَيَقُولُ: والله. وَيَجُوزُ أن يقول: والمصحفِ. لكن لو قال: وَرَبِّ المصحف. غَيْرُ جَائِزٍ؛ لأنَّ القرآنَ ليس مَرْبُوبًا، بل صِفَةٌ لله، وهي الكلام.

قوله: {المجيد} ؛ أي: وَاسِعَ الخيرات والبركات والمعاني. وقيل: «ذو المَجْدِ والشَّرَفِ على الكتب كلِّها؛ فلا أَحَدَ يَسْتَطِيعُ أن يُحِيطَ بأسرارِه، وفيه جَمِيعُ العُلُومِ كلُّها؛ علومُ اللُّغة، والأخبار السَّابقة، والمستقبليَّةُ، والعقيدةُ، والفِقْهُ، وكلُّ شَيْءٍ. جَوَابُ القَسَمِ مَحْذُوفٌ، وهو مضمون السُّورة» .

وقيل: «تَقْدِيرُه لَتُبْعَثُنَّ» .

قوله: {بَلْعَجِبُواأَنْجَاءَهُمْمُنْذِرٌمِنْهُمْفَقَالَالْكَافِرُونَهَذَاشَيْءٌعَجِيبٌ} : «بل» حَرْفُإِضْرَابٍ إِبْطَالِيٍّ، وهي هنا للإبطال.

و «عَجِبُوا» العَجَبُ تَارَةً يُرادُ به الاستنكارُ والتَّكذيبُ، وتارةً يراد به الاستحسانُ، وهنا جاء للاستغراب والاستنكار والتَّكذيب والاستبعاد؛ أي: شَيْءٌ مُسْتَبْعَدٌ. وهذا هو التَّكذيب الأوَّلُ؛ كذَّبوا برسالته.

قوله: {منذر منهم} ؛ المنذرُ هو المبلِّغُ بشيءٍ هامٍّ، ويكون في شيءٍ مخيفٍ.

ولذلك قال نبيُّنا: «إِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ» . رواه البخاري. اعترضوا على رسالته كيف يأتي رسولٌ من البشر؟ لماذا لا يكون من الملائكة؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت