وقالوا في مَوْطِنٍ آَخَرَ: {لَننُّؤْمِنَحَتَّانُؤْتَامِثْلَمَاأُوتِيَرُسُلُاللَّهِ} ، واستبعدوا رسالته - صلَّى الله عليه وسلَّم - لكونه فقيرًا ويتيمًا مع أنَّالرِّسالةَ لا تأتي بالاكتساب أو بالمكانة أو بالذَّكاء، إنَّما هي مِنْحَةٌ واختيارٌ واصطفاءٌ من الله، واللهُ أَعْلَمُ حيث يجعل رسالتَه.
قوله: {هَذَا شَيْءٌ عَجِيب} أَيْ: غَرِيبٌ، وليس له سَابِقَةٌ.
قوله: {أَئِذَامِتْنَاوَكُنَّاتُرَابًاذَلِكَرَجْعٌبَعِيدٌ} التَّكذيبُ الثَّاني: كذَّبوا بِالبَعْثِ؛ استنكروا البَعْثَ والحسابَ، فاستبعدوا أنَّهم بعد أن يكونوا ترابًا تكون عودتُهم لحمًا وجسمًا.
وقاسوا قُدْرَةَ الله على قدرتهم، مع أنَّ اللهَ قال: {أَكَفَرْتَ بَالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ} .
فَمَنْ خَلَقَ الإِنْسَانَ في البداية من التُّراب، ألا يَقْدِرُ على إعادته بعد أن يموت ويكون ترابًا؛ فيعيدَه مرَّةً أخرى؟
فأنكروا أن يُعِيدَ الله هذه الأجسادَ مَرَّةً أخرى والله يُعِيدُ هذه الأجسادَ بِعَيْنِهَا؛ الَّذى أطاعه والَّذي عَصَاهُ، فينعِّمَه اويعذِّبَه، كما ينعِّم الرُّوحَ الَّتي آمنت بعينها، ويعذِّب الَّتي كفرت بعينها؛ لا أنَّه- سبحانه - يَخْلُقُ رُوحًا أخرى غَيْرَ هذه فينعِّمَها ويعذِّبَها.
ولو كان الجزاءُ إنَّما هو لأجسامٍ غير هذه لم يَكُنْ ذَلِكَ بَعْثًا ولا رَجْعًا، بل يكون ابتداءً.
قوله: {قَدْعَلِمْنَامَاتَنْقُصُالْأَرْضُمِنْهُمْوَعِنْدَنَاكِتَابٌحَفِيظٌ} ؛ أي: ما تَنْقُصُ الأرضُ من أجسادهم، ومن لحومهم، وعظامهم، وأشعارهم.
وإنَّه كما هو عَالِمٌ بتلك الأجزاء، فهو قَادِرٌ على تحصيلِها وَجَمْعِهَا بَعْدَ تَفَرُّقِهَا وتأليفِها خَلْقًا جديدًا، ذَرَّةً بَعْدَ ذَرَّةٍ، ولو أَكَلَتْهُ الأَرْضُ فالله يَعْلَمُ بها. فاحتجَّ عليهم بِأَمْرَيْنِ؛ عِلْمِ اللهِ بكلِّ شَيْءٍ، فلا يضيع عليه شيء، والأمر الثَّاني: الكتاب الأوَّل اللَّوح المحفوظ؛ كتب اللهُ فيه كلَّ شَيْءٍ ممَّا كان ويكون وكائن.
وهذا دَالٌّ على كَمَالِ قُدْرَتِهِ وَعِلْمِهِ؛ الميِّتُ المتحلِّلُ إلى تُرَابٍ لا يضيع في الأرض، ويصير مثلَ التُّراب الآخرُ، بل هو مَحْفُوظٌ فيعذَّب وينعَّم في القبر، ولو صار ترابًا.
قوله: {بَلْكَذَّبُوابِالْحَقِّلَمَّاجَاءَهُمْفَهُمْفِيأَمْرٍمَرِيجٍ} : التَّكذيبُ الثَّالث: التَّكذيبُ بالقرآن؛ فهم أوَّلًا كذَّبوا بالرَّسول، ثمّأنكروا البَعْثَ، ثمَّ كذَّبوا بالقرآن.
كذَّبوا بالحقِّ، وهو القرآن، والحقُّ لا يكذَّب، إنَّما يكذَّب الباطلُ والكذبُ، والقرآنُ حَقٌّ؛ فما أخبر بشيءٍإلاَّ حَصَلَ، وكلُّ من اعترض على القرآن بَاءَ بالفشل.
فالقرآنُ حَقٌّ ومحفوظٌ لا يتغيَّر ولا يتبدَّل، وما أَحَدٌ يستطيع أن يعتدي عليه؛ فهؤلاء الكفَّار على كثرتهم وعنادهم وبُغْضِهِم للقرآن وللإسلام ما استطاعوا أن ينالوا منه شيئًا، مع أنّالقرآنَ يذمُّهم ويلعنهم ويسبُّهم، وما استطاعوا أن يغيِّروه ولن يستطيعوا أن يغيِّروا فيه حرفًا واحدًا.
قوله: {فهم في أمر مريج} : أي مختلطٍ. التَبَسَ عليهم الأمرُ؛ كلُّ من كذَّب بالحقِّ ابتلاه اللهُ بالفُرْقَةِ والاختلاف والنِّزاع، فلمَّا كذَّبوا وقعوا في الاختلاف، فدلَّ على أنَّهم على باطلٍ؛ لأنَّ الحَقَّ لا يختلف فيه.
فإن قيل: أليس علماءُ المسلمين مختلفين؟ قلنا: نعم، لكن عندنا مَرْجِعٌ نرجع إليه؛ أوَّلًا نرجع إلى أهل الذِّكْرِ، فإن اختلفوا فنرجع للكتاب والسُّنَّة؛ {فَإِنتَنَازَعْتُمْفِيشَيْءٍفَرُدُّوهُإِلَااللَّهِوَالرَّسُولِ} لكنَّ أَهْلَ الباطل ليس عندهم مَرْجِعٌ يرجعون إليه؛ كلُّ حزبٍ بما لديهم فرحون، وكلُّ حزبٍ يضلِّل الفريق الآخَرَ.
أمَّا المسلمون وإن اختلفوا فإنَّ عندهم مَرْجِعًا وهو الكتاب والسُّنَّة، أمَّا أهل الباطل فليس عندهم مَرْجِعٌ يحتكمون إليه.
لمَّا ذكر- سبحانه - مواقفَهم الثَّلاثة من تكذيب رسول الله وإنكارَهم للبعث وتكذيب القرآن، دعاهم إلى النَّظَرِ في العالَم العلويِّ، وبنائِه، وارتفاعه، واستوائه، وَحُسْنِهِ، والتِئَامِهِ.
فاستدلَّ بالآيات الكونيَّة الدَّالَّة على صحَّة الآيات الشَّرعيَّة.