أَمَّا حديث: «المَلائِكَةُ عَلَى أَبْوَابِ المَسَاجِدِ يَكْتُبُونَ الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ، فَإِذَا حَضَرَ الإِمَامُ طُوِيَتِ الصُّحُفُ وَجَلَسُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» رواه البخاري، فكتابةُ الأوَّل فالأوَّل قبل خروج الإمام تَدُلُّ على فَضْلِ الأَوَّلِيَّةِ قَبْلَ النِّدَاءِ كما تقدَّم.
قوله: {وَذَرُوا الْبَيْعَ} .
البيعُ بَعْدَ الأذان الثَّاني والخطيبُ على المنبر مُحَرَّمٌ، وَمَنْ بَاعَ فَهُوَآَثِمٌ.
أمَّا البيع بعد أذان الصَّلوات الخمس، فيدخل في قوله: {رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ} ؛ فَقَدْ كان مِنْ هَدْيِهِ- صلَّى الله عليه وسلَّم - تَنْبِيهُ النَّاس بالصَّلاة، ولا يَكِلُهُمْ إلى إيمانهم وصلاحهم.
ففي «مُسْلِمٍ» عن أبي بكر قال: خرجتُ مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان لا يمرُّ برجلٍ إلاَّ ناداه بالصَّلاة وحرَّكه بِرِجْلِهِ.
وكان هديُ الصَّحابة عَدَمَ العمل وَقْتَ الصَّلاة، وتنبيهُ النَّائمين، والقائمين، والقاعدين في الأسواق.
قال الحسنُ: «كانوا يتبايعون في الأسواق، فإذا حضر حَقٌّ من حقوق الله بَدَأوا بحقِّ الله، فإذا قَضَوْهُ عادوا إلى تجارتهم» .
قوله: {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ} .
يعود الضَّمِيرُ في {ذَلِكُمْ} على الإسراع والمُبَادَرَةِ إلى الصَّلاة، والحرص على ذلك، وَتَرْكِ البيع.
قوله: {إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} .
أي: فَضْلَ الجمعة وما فيها من الثَّواب والأَجْرِ العظيم.
قوله: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ} .
أي: صلاةَ الجُمُعَةِ.
قوله: {فَانْتَشِرُوافِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} .
لمَّا حَجَرَ - تعالى - عليهم التَّصرُّفَ بعد النِّداء الأخير، أَذِنَ لهم في الانتشار؛ فهذه الآيةُ الكريمةُ تَرْسِمُ للمسلم التَّوازنَ السَّامي بين ما يقتضيه دِينُه، وما تقتضيه دنياه؛ فديننا لا يمانع في طلب الرِّزق إلاَّ إذا كان يمنع أَدَاءَ الواجبات.
ويُؤْخَذُ من هذه الآية أنَّأسبابَ الرِّزق متنوِّعةٌ؛ فَكُلٌّ يَبْحَثُ عن رزقه وسببه؛ فَقَدْ يَبْحَثُ عن رزقه في الوَظِيفَةِفلا يتيسَّر ولا يحلُّ عليه؛ لأنَّ اللهَ قَدَّرَ رِزْقَهُ في سَبَبٍ آخر.
فقد يكون رزقُه في التِّجارة، أو الزِّراعة، أو البيع، أو في ماشيته.
قوله: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} .
أي: حَالَ بَيْعِكُمْ، وَشِرَائِكُمْ، وَأَخْذِكُمْ، وعطائكم، اذْكُرُوا الله ذكرًا كثيرًا؛ فلا يشغله هذا السَّعْيُ عن الإكثار من ذكر الله؛ لعلَّكم تفوزون بخيري الدُّنيا والآخرة.
وذِكْرُ الله يتنوَّع؛ مَنْ ذَكَرَ الله بلسانه، رَزَقَهُ اللهُ التَّقوى.
ويدخل في ذكر الله ذِكْرُ عَظَمَتِهِ، وعقوبته، لمَّا تقول على طعامك، وشرابك بسم الله، تحصل البَرَكَةُ، ولمَّا يأتي أهلَه ويسمِّي يتنحَّى عنه الشَّيطان.
لكن شَارِبُ الخمر يشاركه الشَّيطان، حتَّى ولو سمَّى، وكذلك من زنا؛ يشاركه؛ لأنَّها حَرَامٌ على المؤمن.
قوله: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا} .
سَبَبُ نزولها: أنَّالمسلمين كانوا في فَقْرٍ، وَفَاقَةٍ، وجاءت عِيرٌ من الشَّام عليها بضائع وهم بحاجةٍ إليها، فسمعوا بها، وكانوا بالمَسْجِدِ جَالِسِينَ يستمعون خُطْبَةَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلمَّا سمعوا بقدومها، خرجوا إليها، ولم يَبْقَ منهم إلاَّ اثنا عَشَرَ رَجُلًا، وكان في الاثني عشر الَّذين ثبتوا مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: أبو بكرٍ، وَعُمَرُ رضي الله عنهما.