فهرس الكتاب

الصفحة 243 من 581

وكان سَلَفُنَا الصَّالحُ يَخْشَوْنَ على أنفسهم النِّفَاقَ.

يقول الحَسَنُ البصريُّ: «مَا أَمِنَ النِّفَاقَ إلاَّ مُنَافِقٌ، ولا خَافَهُ إلاَّ مؤمنٌ» .

يقول ابنُأبي مليكة: «أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ من أصحاب محمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - كلُّهُمْ يخاف على نَفْسِهِ النِّفاق» .

إلى درجة أنَّعُمَرَ بنَ الخَطَّابِ المُبَشَّرَ بالجنَّة يَسْأَلُ حُذَيْفَةَ ويقول له: أُنشِدكَ اللهَ: هل ذَكَرَ النَّبيُّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - اسمي مع المنافقين؟ قالَ: «لا ولا أُزكِّي بَعْدَكَ أَحَدًا» .

وفي قصَّة حَنْظَلَةَ وأبي بكرٍ وَخَوْفِهِمَا من النِّفاق، فماذا قال أبو بكرٍ؟ «إنَّا لَنَجِدُ مِثْلَ هذا» .

فَكَيْفَ بنا نحن؟ إنَّالمؤمنَ جَمَعَإحسانًا وَشَفَقَةً، وإنَّ المنافق جَمَعَإِسَاءَةً وَحُسْنَ ظَنٍّ.

وقد بيَّن الله لنا صفات المنافقين في سورة التَّوبة، وفي هذه السُّورة، وَذَكَرَهمفي القرآن مِنْ أَجْلِ أن نحذر شرَّهم، وتحذيرًا لنا ألاَّ نَتَشَبَّهَ بصفاتهم، وحذَّرنا منهم؛ لخطورتهم.

فكم من معقلٍ للإسلام قد هَدَمُوهُ؟! وكم من حِصنٍ له قد قَلَعُوا أساسَه وخرَّبوه؟! وكم من عِلْمٍ قد طمسوه؟!

وذكر المحقِّقون من العلماء على أنَّهذه السُّورةَ نَزَلَتْ في غزوة بني المصطلق، وكانت هذه الغَزْوَةُ في السَّنَةِ الخامسة من الهجرة.

هذه السُّورَةُ الجليلة العظيمة تتحدَّث عن عدَّة أُمُور: افتتحها اللهُ أوَّلًا بأبرز الصِّفات الذَّميمة للمنافقين، ألا وهي صفة الكذب والخداع، ثمَّ تحدَّثت السُّورةُ عن جَانِبٍ من وسائلهم الَّتي يستخدمونها حينما يَظْهَرُ كَذِبُهُمْ؛ إنَّهم يستترون بالحلف الكاذب؛ حتَّى لا يصيبَهم أذًى من المؤمنين.

ثمَّ تحدَّثت السُّورةُ عن خُبْثِ قُلُوبِهِمْ مع جمال الصُّوَرِ وحسن المنطق، وشبَّههم بالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ، وَوَصَفَهُمْ بأنَّهم جبناء؛ لِسُوءِ نِيَّاتِهِمْ.

وَصَفَهُمْ بأنَّهم أعداء؛ لِكَوْنِهِمْأعداءً متخفِّين يلبسون ثوب الصَّديق النَّاصح، وهم أعداءٌ.

ثمَّ تحدَّثت السُّورة الكريمة عن مقالاتهم الشَّنيعة، ومنها عَدَمُ قبول النَّصيحة، وَتَرْكُ التَّوبة.

وَذَكَرَمَقَالَتَيِ ابْنِ سَلُولٍ في حثِّهم على عدم الصَّدقة، واعتقادهم بأنَّهم بعد عودتهم من «غزوة بني المُصْطَلِقِ» سيطردون الرَّسولَ - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين من المدينة المنورَّة.

خُتِمَتِ السُّورَةُبتوجيه الله المؤمنين ما داموا على قيد الحياة ألاَّ يكونوا كالمنافقين الَّذين ضيَّعوا حياتهم بالكفر، والنِّفاق، واشتغلوا بالدُّنيا عن الآخرة.

قوله: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ} .

يقول اللهُ مخبرًا عن المنافقين أنَّهم إذا حضروا مجلس الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - قالوا بألسنتهم على سبيل الكذب، والمخادعة ولم يقولوه إخلاصًا من قلوبهم: «قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ» .

ولم يطلب منهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك، لكن قالوها لينفوا عن أنفسهم التُّهْمَةَ.

قوله: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ} .

فليس هناك حاجةٌ لأن يقولوا هذا؛ لأنَّ رِسَالَتَهُ ثَابِتَةٌ حقًّا؛ سَوَاءٌ شَهِدُوا بذلك، أم لم يشهدوا؛ فلا حاجة إلى أنَّهم إذا لقوه شهدوا له بالرِّسالة.

قوله: {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} .

كذَّبهم اللهُ مع أنَّشهادتَهم مطابقةٌ للواقع؛ لكونهم لم يعتقدوا ما قالوا، ففضحهم اللهُ، فهم كاذبون مع أنفسهم، ومع الخلق، ومع الله.

قوله: {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} .

معنى «أيْمَانَهُمْ» قيل: «شَهَادَتُهُمْ» ، وقيل: «أَيْمَانُهُمُ الكاذبة والمغلَّظة» ، واتَّخذوها وقايةً؛ ليفرُّوا بها من سوء عملهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت