فمن صفات المنافقين: الكذبُ، ودائمًا يؤكِّد كَذِبَهُ بالحلف؛ لأنَّه كَاذِبٌ.
وقد حكى القرآنُ كَثِيرًا من أيمانهم الكاذبة.
بيَّن الله غَرَضَهُمْ من هذه الشَّهادة، وإظهارِ الإسلام، أو أيمانهم الفاجرة اتَّخذوها وقايةً لهم من المؤاخذة والعذاب.
قوله: {فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} أي: بِسَبَبِ كُفْرِهِمُ البَاطِنِ، والاتِّقاء بالأيمان الفاجرة، صدُّوا عن سبيل الله، فمنعوا أنفسهم ومنعوا النَّاس عن طريق الله المستقيم.
قوله: {إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} .
أي: بِئْسَ ما كانوا يعملون، هذا ذَمٌّ من الله بسبب تَلَوُّنِهِمْ.
وقد جَمَعُوا بين رَذِيلَتَيْنِ كبيرتين: إحداهما: تَعَمُّدُ الأيمان الكاذبة، والثَّانية: إِعْرَاضُهُمْ عن الحقِّ، ومحاولتهم صَرْفَ غَيْرِهِمْ عنه.
وفيها أيضًا أنَّهم لمَّا دخلوا في الإسلام ظاهرًا، اغترَّ بهم البعضُ من النَّاس، فحصل بهم الفتنةُ، وطاوعوهم، ووثقوا بهم؛ لأنَّهم أظهروا الخير، وأبطنوا الشَّرَّ.
وهذا ظاهرٌ في الدُّعَاةِ على أبواب جهنَّم حينما قال الصَّحابةُ للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا قَالَ: «هُمْ مِنْ بَنِي جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا» . متفق عليه.
وهذا وَاضِحٌ في دعاة الشَّرِّ والضلالة، والفِرَقِ الضَّالَّة ممَّن يُظْهِرُ الخير والصَّلاحَ وَجِنَايَتُهُمْ على الإسلام عَظِيمَةٌ؛ حيث يَثِقُ بهم أَتْبَاعُهُمْ، ويتَّبعونهم، فصدُّوهم عن سبيل الله، والله عَدْلٌ لا يظلم أحدًا، وما نزل بالنَّاس فبسبب ذنوبهم وعيوبهم.
أحيانًا تسمع دعاءً جَمِيلًا في الطَّواف من أهل الضَّلال: يا من فلق البَحْرَ لموسى، ثمَّ في نهاية الدُّعاء يستغيث بغير الله.
البِدَايَةُ جَمِيلَةٌ، ولكن النَّهاية مُؤْسِفَةٌ وَكُفْرٌ.
ويدخل فيه إذا خَلُوا بمحارم الله انتهكوها؛ إِظْهَارُ زِيِّ الصَّالحين في الملأ، ولكن إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها.
وهناك فَرْقٌ بين من يعمل المَعْصِيَةِ وَقَلْبُهُ مُنْكَسِرٌ وفيه وَجَلٌ وَخَوْفٌ ويبادر بالتَّوبة، وَبَيْنَ مَنْ يَفْعَلُ المَعَاصِي في السِّرِّ باستهتارٍ وبدون وَجَلٍ وعدم مُبَالاةٍ؛ فَفَرْقٌ بين المعصية مع انكسارٍ، وبين مَعْصِيَةٍ بِدُونِ انْكِسَارٍ.
قوله: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا} .
قيل: «آَمَنُوا ثمَّ ارتدُّوا» ، وَقِيلَ: «آَمَنُوا في الظَّاهر، وكفروا في الباطن» .
الإيمانُ في الأصل يكون بالقلب، واللِّسان، والجوارح، وهؤلاء آمنوا بألسنتهم وجوارحهم؛ صَامُوا وَصَلَّوْا، لكنَّ الجَنَانَ كَاذِبٌ، وكفروا بقلوبهم.
قوله: {فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ} .
الطَّبْعُ على قلوبهم عُقُوبَةٌ من الله نَتِيجَةٌ لكفرهم بعد إيمانهم، فختم اللهُ على قلوبهم بسبب كفرهم؛ لأنَّهم عرفوا الحقَّ فَتَرَكُوهُ، فلا تَقْبَلُ الحَقَّ قُلُوبُهُمْ، ولا تَقْبَلُ الهُدَى.
وإذا حَصَلَتْ عُقُوبَةُ الطَّبْعِ، أو الخَتْمِ، أو الغَلْقِ فليس للإيمان إلى قلوبهم مَنْفَذٌ، وليس للكفر مَخْرَجٌ.
ولذلك قال العلماء: «مِنَ القلوب مَنْ ملأها اللهُ بالخير والإيمان، حتَّى إذا جاء الشَّرُّ لم يجد فيها مكانًا، ومن القلوب من ملأها الله بالشَّرِّ، حتَّى إذا جاء الخير لم يَجِدْ فيها مكانًا» .
قوله: {فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ} .