مَنْ عَرَفَ الحقَّ فَلَمْ يَقْبَلْهُ، عُوقِبَ بِفَسَادِ قَلْبِهِ، وَعَقْلِهِ، وَسَلْبِ العقل والفهم؛ أي: فهم لا يعقلون بعد هذا الطَّبْعِ، ومع هذا الخَتْمِ؛ لأنَّ النِّفَاقَ سَبَبُ الطَّبْعِ والخَتْمِ على قلوبهم، وَنَزْعِ اللهِ الفِقْهَ منها، فيصبح المنافقُ يَسْمَعُ، ولا يَفْهَمُ، ولا يتأثَّر، ولا يستفيد؛ حِرْمَانًا من الله لهم.
قوله: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ} .
ذَكَرَ الله لهم خَمْسَ صِفَاتٍ ذَمِيمَةٍ: ذَكَرَ اللهُ خُبْثَ قلوبهم، وَرَوَغَانَهُمْ؛ فهم أحسن النَّاس أجسامًا، وألطفُهم بيانًا، وأخبثُهم قلوبًا، وأضعفهم جَنَانًا؛ لأنَّهم يُظْهِرُونَ الصَّلاحَ والخَيْرَ مع فَسَادِ قلوبهم؛ لأنَّ مَنْ عِنْدَهُ خَلَلٌ أو فسادٌ يحاول أن يَلْبِسَ ثَوْبَ الصَّلاحِ؛ لِيُغَطِّيَ فَسَادَهُ به.
يتلوَّنون بكلِّ لَوْنٍ، وَيَأْتُونَ إلى النَّاس بوجوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ، يُبْطِنُونَ الكفر، وَيُظْهِرُونَ الإسلام، يتظاهرون بأفعال الخير وهم من أَفْسَدِ النَّاس باطنًا.
وكم تَقَمَّصَ هذا المَشْهَدَ مُنَافِقٌ وَلَبَّسَ على النَّاس، وَعَبَدَ اللهَ من أَجْلِ حصول غَرَضِهِ.
وفي البيت المشهور:
صلَّى المصلِّي لأمرٍ كان يطلبه.:. فلمَّا انقضى الأمرُ لا صلَّى ولا صاما.
قال ابْنُ كَثِيرٍ: فَهُمْ هَامَاتٌ وَصُوَرٌ بلا معنًى؛ لأنَّهم أَشْبَاحٌ بلا أَرْوَاحٍ، وَأَجْسَامٌ بلا أَحْلامٍ؛ لأنَّ قُلُوبَهُمْ خَالِيَةٌ من العلم والإيمان.
ويؤخذ منها: عَدَمُ الاغترار بالأجسام؛ فليس وراءَها عُقُولٌ.
وَصَدَقَ الحَسَنُ البصريُّإذ يَقُولُ: «واللهِ لَقَدْ رَأَيْنَاهُمْ صُوَرًا ولا عُقُولَ، أجسامًا ولا أَحْلامَ، فَرَاشَ نَارٍ، وذُبَّانَ طَمَعٍ، يغدو أَحَدُهُمْ بِدِرْهَمَيْنِ، ويروحون بِدِرْهَمَيْنِ، يبيع أحدُهم دِينَهُ بِثَمَنِ العَنْزِ.
قوله: {وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} .
لِفَصَاحَتِهِمْ، وَحُلُوِّ مَنْطِقِهِمْ، ولذلك قال ابنُ عبَّاسٍ: «كان عبدُ الله بْنُ أُبَيٍّ وَسِيمًا جَسِيمًا صَحِيحًا صَبِيحًا، ذَلِقَ اللِّسَانِ» . فيعطيك من طرف اللِّسان حلاوةً، وَيَرُوغُمنك كما يروغ الثَّعْلَبُ.
قوله: {كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ} .
شَبَّهَ المنافق بالخُشُبِ؛ لأنَّ الخَشَبَةَ لَهَا طَرْفَانِ، والمنافقَ له وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا خَيْرٌ، والآخرُ شَرٌّ.
وقيل: «شُبِّهُوا بالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ كأنَّهم في عدم الانتفاع بهم كالأخشاب المُسَنَّدَةِ على الجُدُرِ؛ لِعَدَمِ الانتفاع بها» .
وقيل: «شُبِّهُوا بالخشب؛ لِخُبْثِ قلوبهم؛ فهم كالخَشَبِ الَّتِي نُخِرَتْ مِنْ دَاخِلِهَا؛ لأنَّ قُلُوبَهُمْ خَالِيَةٌ من العلم والإيمان؛ فهم يَحْضِرُونَ مَجَالِسَ الرَّسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - ويستندون على الحيطان، ولا ينتفعون بِشَيْءٍ» .
في هذه الآية بَيَّنَ الله أنَّالمنافقين أَبْعَدُ ما يكونون عن الأُلْفَةِ والاجتماع، وَإِنْ حَضَرُوا مع المسلمين، ويترفَّعون عن المشاركة، وتراهم وهم يجلسون في مجلس نبيِّنا محمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - مُسْتَنِدِينَ على الجُدْرَانِ، ويتتبَّعون الجُدُرَ؛ ليسندوا ظُهُورَهُمْ عليها؛ زُهْدًا في الخير، وَرَغْبَةً عنه، ولا خيرَ فيمن لا يَأْلَفُ ولا يُؤْلَفُ.
قوله: {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ} .
وَصَفَهُمْ بالجُبْنِ وَالخَوَرِ؛ لِضَعْفِ قُلُوبِهِمْ، وسُوءِ نِيَّاتِهِمْ؛ فهم كصاحب المعصية؛ لأنَّ العاصيَ دَائِمًا خَائِفٌ يَخَافُ أن يَطَّلِعَ عليه النَّاسُ، والطَّائِعَآَمِنٌ.
وفي الحديث: «الصِّدْقُ طُمَأْنِينَةٌ، وَالكَذِبُ رِيبَةٌ» رواه الترمذي والنسائي وابن حبان والمنذري.
قوله: {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ} .
الحَصْرُ هنا «لا عَدُوَّإِلاَّ هم» لا يقتضي حَصْرَ العداوة فيهم فقط، لكن الحَصْرُ هنا حَصْرُ الأَوْلَوِيَّةِ والأحقِّيَّة؛ لأنَّهم بَيْنَ صفوف المسلمين.