فَأَمَرَ اللهُ رَسُولَهُ - صلى الله عليه وسلم - بأخذ الحَذَرِ منهم؛ لأنَّ العدوَّ المعاشرَ الَّذي يَضْحَكُ لك، وَتَحْتَ ضُلُوعِهِ الدَّاءُ العُضَالُ.
لأنَّهم يتحيَّنون الفرصة، وجنايتُهم على المسلمين عَظِيمَةٌ؛ لخفائهم؛ فالعدوُّ الواضحُ تَأْخُذُ حِذْرَكَ منه، لكن العدوُّ الَّذي يَلْبَسُ ثَوْبَ الصَّدِيقِهو عَدُوٌّ خَطَرُهُ عَظِيمٌ؛ لِعَدَمِ التَّحَرُّزِ منه.
قوله: {قَاتَلَهُمُ اللَّهُ} .
أي: لَعَنَهُمُ اللهُ، وَأَخْزَاهُمْ، وَطَرَدَهُمْ من رَحْمَتِهِ؛ فالدُّعاءُ عليهم بسبب سُوءِ نِيَّاتِهِمْ، وسُوءِ سُلُوكِهِمْ.
قوله: {أَنَّى يُؤْفَكُونَ} .
تعجُّبٌ من نفاقهم، وضلالهم، وَكَيْفَ يُصْرَفُونَ من الحقِّ إلى الضَّلال وقد تبيَّن لهم.
قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْايَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ} .
ذَكَرَ - تعالى - مِنْ صِفَاتِهِمْ أنَّهم إذا ظَهَرَ بَعْضُ جناياتهم وَطُلِبَ منهم التَّوْبَةُ، أو أن يطلبوا من الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - أن يستغفر لهم، فإنَّهم يُعْرِضُونَ عن القائل، أو عن الاستغفار.
وهذا على سبيل النُّصْحِ لهم؛ لعلَّهم يتوبون ممَّا هم فيه من الكفر والنِّفاق.
قوله: {لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ} .
أي تكبُّرًا وامتناعًا عن المجيء للرَّسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - وعن الاستغفار؛ لأنَّهم لا يؤمنون به.
وهل يُعْقَلُ أَنَّمَنْتُسْتَجَابُ الدَّعوةُ منه وهو بهذه المكانة العظيمة عند الله يمتنعون عن طلب الدُّعاء منه استغناءً؟ إنَّه الحِرْمَانُ.
وقيل: «إنَّ السَبَبَ أنَّهم لوَّوا رءوسَهم أنَّهم قالوا: إنَّربَّ محمَّدٍ يسمع إذا جَهَرْتُمْ، وإذا أسررتم لَمْ يَسْمَعْ، فأنزل اللهُ: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ} فقالوا: إذا كان يسمع السِّرَّ والعلن فعليكم بالإشارة» .
فَنَقَلَ اللهُ لنا الهَيْئَةَ؛ ليعلم النَّاسُأنَّه يَسْمَعُ وَيَرَى ومطَّلعٌ على الضَّمائر.
وكم من النَّاس من تَقُولُ له «الله يسمعك ويراك» ولكنَّه لا يَهْتَمُّ؛ لِعَدَمِ تَعْظِيمِهِ لله؛ فليس في قلوبهم أيُّ عَظَمَةٍ لله.
وَمِنَ النَّاس من تقول له: «اتَّقِ الله» فتأخذه العِزَّةُ بالإثم، ومنهم من إذا قيل له: «اتَّق الله» خَافَ، حتَّى لو لم يَعْصِ.
فأهلُالمعاصي تُحَذِّرُهُ، فتأخذه العِزَّةُ بالإثم، ولا يقبل النَّصيحةَ، كما في حَدِيثِ «كُلْ بِيَمِينِكَ» قال: لا أستطيع. رواه مسلم وابن حبان.
فَكَمْ مِنْ أُنَاسٍ تَشْمَئِزُّ قلوبُهم من النَّصيحة! بعضُهم إذا أهديتَ له كتيِّبًا، أو شريطًا فيه مَوْعِظَةٌ رَمَاهُ وقال: عندنا أكثر ممَّا عندكم.
بَعْضُ كبار السِّنِّ إذا نَصَحْتَهُ يأبى قبول النَّصيحة وهو لا يعرف ويقول: أعرف كلَّ شَيْءٍ.
قوله: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} .
سَوَاءٌ على هؤلاء المنافقين أَطَلَبْتَ لهم المغفرةَ مِنَ الله- يا مُحَمَّدُ - أم لَمْ تَطْلُبْ لهم، إنَّاللهَ لَنْ يَصْفَحَ عن ذنوبهم أبدًا؛ لإصرارهم على الفِسْقِ، ورسوخهم في الكفر.
في هذه الآية مَسْأَلَةٌ عَظِيمَةٌ، وهي هل يجوز الاستغفارُ للكافر والمنافق؟
قال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: «لاشَكَّ أنّدُعَاءَ الخَلْقِ بعضهم لبعضٍ نَافِعٌ، وقد أَمَرَ اللهُ بذلك، لكن دُعَاءُ الشَّفاعة مَنْهِيٌّ عنه، كالشَّفاعة للمشركينبأنَّيَغْفِرُاللهَ لَهُمْ» .
وقد نَهَى اللهُ نَبِيَّهُ - صلى الله عليه وسلم - عن الاستغفار للمشركين والمنافقين وأخبر أنَّه لن يغفر لهم.
وقد أخبر نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - أنّهناك من يعتدي في الدُّعاء، وهو أن يسألَ العَبْدُ رَبَّهُ ما لم يفعله الرَّبُّ.
ويقول الإمامُ الألوسيُّ: «والتَّحْقِيقُ في هذه المسألة أنَّالاستغفارَ للكافر الحيِّ، المجهول العاقبة جَائِزٌ، والاستغفارَ له بمعنى طلب الهداية له للإيمان، وهذا ممَّا لا محذورَ فيه لا عقلًا، ولا شرعًا» . انتهى.