وعليه جمعًا للأدلَّة أنَّالاستغفارَ للكفَّار والمنافقين بمعنى طَلَبِ المغفرة لهم؛ سَوَاءٌ أحياءً، أو أمواتًا وهم على الكفر، فلن يغفر الله لهم؛ لأنَّ اللهَ لا يغفر أن يُشْرَكَ به.
أمَّا الأحاديثُ الَّتي وَرَدَتْ في طلب المغفرة فَتُحْمَلُ على طلب الهداية لهم.
قال ابنُ عَبَّاسٍ لِرَجُلٍ يَهُودِيٍّ وله ابْنٌأَسْلَمَ، فمات اليَهُودِيُّ، فَلَمْ يَدْفِنْهُ، ولم يَتَّبِعْهُ يَوْمَ مَوْتِهِ، فقال ابن عبَّاسٍ: «كان ينبغي له أن يمشي معه، ويدفنه ويدعو له بالصَّلاح ما دام حيًّا، فإذا مَاتَ وَكَلَ شَأْنَهُ إلى رَبِّهِ» .
قوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} .
من عرف الحقَّ وأعرض عنه، فإنَّ الله لا يوفِّق للإيمان القَوْمَ الكافرين به، والخارجين عن طاعته؛ عاقبهم اللهُ بحرمان الهداية، والهدايةُ تَكُونُ لِمَنْ يَطْلُبُهَا.
قوله: {هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا} .
هذه الآيَةُ نَزَلَتْ في رأس المنافقين ابْنِ أُبَيٍّ حينما حَثَّ المنافقين على ألاَّ يُنْفِقُوا على أصحاب رسول الله من المهاجرين؛ حتَّى يتفرَّقوا عنه؛ لأنَّه غَاظَهُمْ اجتماع المسلمين حَوْلَ الرَّسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - وَزَعَمُوا أنَّذلك بسبب صَدَقَاتِهِمْ، وأنَّ المُهَاجِرِينَ جَاءُوا مِنْ أَجْلِ صدقاتهم.
فَأَرَادُوا مَنْعَ الصَّدَقَاتِ والمَعُونَاتِ مِنْ أَجْلِ أن يتفرَّقوا عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.
وفي هذه الآية بَيَانُ حِرْصِ المنافقين على البخل؛ فَقَدْ وَصَفَهُمُ اللهُ بأنَّهم: {وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ} ؛ لأنَّهم لا يرجون ثوابًا ولا يخافون عقابًا.
وَفِعْلُهُمْ هَذَا يَدُلُّ على أنَّهم ينظرون إلى أنَّالصَّدَقَةَ والنَّفَقَةَ على المهاجرين سَبَبٌ في بَقَائهم، ولو تركوا الصَّدقة، لَخَرَجُوا من المدينة؛ لأنَّ المهاجرين لا دِيَارَ لهم، ولا أَمْوَالَ، «اتركوهم حتَّى ينفضُّوا ويتفرَّقوا» .
قوله: {وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ} .
ردَّ اللهُ عليهم أنَّالرِّزْقَ من عنده وأنَّ بِيَدِهِ خَزَائِنَ كلِّ شَيْءٍ.
فإن مَنَعْتُمْ ما عندكم فاللهُ سَوْفَ يُعَوِّضُهُمْ من فضله، ثمَّإنَّالمُهَاجِرِينَ ما جاءوا طلبًا لما عندكم؛ فقد تركوا أموالَهم، وَأَهْلِيهِمْ نُصْرَةً لله ورسوله، وَرَغْبَةً فيما عند الله.
واللهُ بِيَدِهِ خَزَائِنُ السَّماوات والأرض، وسوف يَفْتَحُ لهم أبوابًا من الرِّزْقِ.
كَثِيرٌ من النَّاس لا يَفْقَهُ أنَّالرِّزْقَ من عند الله، وَمِنْ ثَمَّ قال الله: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ} .
قوله: {وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ} .
أي: لَمْ يَفْهَمُوا أنَّاللهَ سَيَفْتَحُ لهم بابًا آَخَرَ.
وَمَنْ تَأَمَّلقَوْلَه: {لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ} نَظْرَتُهُمْ أنَّهم إذا قَطَعُوا النَّفَقَةَسينقطع الرِّزقُ.
قوله: {يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ} .
هذه هي المقالةُ الثَّانِيَةُ مِنْ رَأْسِ المنافقين ابْنِ سَلُولٍ، وسببُها: أنَّها حَصَلَتْ مُشَادَّةٌ كلامِيَّةٌ بين شابٍّ من المهاجرين وشابٍّ من الأنصار، فَلَطَمَ المهاجريُّ الأنصاريَّ، فقال الأنصاريُّ: يا للأنصار، وقال المهاجريُّ: يا للمهاجرين.
فَغَضِبَ عَبْدُ الله ابْنُ أُبَيٍّ وعنده رَهْطٌ من قومه فيهم زيدُ بْنِ أَرْقَمَ وقال: أَوَقَدْ فَعَلُوهَا؟!! قد نافرُونا وكاثَرُونَا في بلادنا! والله ما مِثْلُنَا وجلابيب قريشٍ - يعنى المهاجرين- إلاَّ كما قال القائل: «سَمُنَ كَلْبُكَ يَأْكُلْكَ» واللهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إلى المدينة، لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ منها الأَذَلَّ.
ولاشَكَّ أنَّالمسلمين إِخْوَةٌ، وليس بَيْنَهُمْ عَصَبِيَّاتٌ وَلا قَبَلِيَّةٌ؛ لأنَّهم إِخْوَةٌ.
وفي الحديث خُطْبَةُ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في وَسَطِ أيَّام التَّشريق، فقال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، لا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلاَّ بِالتَّقْوَى» . رواه أحمدُ.