ونبيُّنا مُحَمَّدٌ- صلَّى الله عليه وسلَّم - أَنْكَرَ هذه المقالة وَوَصَفَهَا بِأَنَّهَا من رَوَاسِبِ الجاهليَّة.
وَقَدْ وَرَدَ في القرآن ذَمُّ الجاهليَّة وَدَعْوَاهَا وأُنْكِرَ رِبَاهَا وظنُّ الجاهليَّة وتبرُّجها وحكمُها؛ فكلُّ ما يُنْسَبُ للجاهليَّة مَذْمُومٌ، ولا يجوز إحياءُه.
والواجب على المسلمين أن يعتزُّوا بدينهم ولا يعتزُّوا بأنسابهم وقبائلهم وبلادهم؛ «نَحْنُ قَوْمٌ أعزَّنا اللهُ بالإسلام» .
ولذلك المنافقون يفرحون بالأحداث الَّتي تحصل بين المسلمين مِنْ أَجْلِ الفتنة والتَّفْرِقَةِ بين المسلمين.
وفي هذه الآيات يعتقدون بأنَّهم بعد عودتهم من «غَزْوَةِ بني المُصْطَلِقِ» سيطردون الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين من المدينة المنوَّرة، قبَّحه الله وخاب وَخَسِرَ.
قوله: {لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} .
يَعْنِي بالأَعَزِّ نَفْسَهُ؛ لأنَّه سَيِّدُ قَوْمِهِ.
وقوله: {ا الْأَذَلَّ} يعني بذلك رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -.
قوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} .
رَدَّ اللهُ عليه بأنَّ الذِّلَّةَ للمنافقين؛ لأنَّ العِزَّةَ لأهل الإيمان، والذِّلَّةَ لأَهْلِ النِّفاق.
قوله: {وَلِلَّهِ} .
الجارُّ والمجرور فيها حَصْرٌ وَقَصْرٌ؛ أنَّالعِزَّةَ لله وَحْدَهُ، وَمَنْ أَرَادَهَا فَلْيَكُنْ مع الله ورسوله وَحِزْبِهِ.
العِزَّةُ لله وَحْدَهُ، والعِزَّةُ من عند الله؛ فهو يُعِزُّ مَنْ يَشَاءُ، وَيُذِلُّ مَنْ يَشَاءُ، وَمِنْ ثَمَّ ذَمَّ الله المنافقين فقال: {أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} .
فمن أطاع اللهَ أَعَزَّهُ الله، وَمَنْ عصى الله أذلَّه الله، وَإِنْ مَلَكَ الدُّنيا بكاملها.
قوله: {وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} .
ولكنَّ المنافقين لا يعلمون ذلك؛ لِفَرْطِ جَهْلِهِمْ.
أَكْبَرُ مشكلةٍ في الحياة الخروجُ عن منهج الله، وسبب الخروج عن منهج الله الجَهْلُ، والجهل شجرةٌ تَنْبُتُ تحتها كلُّ الشُّرورِ.
فالجَهْلُ أعدى أعداء الإنسان؛ فَأَزْمَةُ أهل النَّار في النَّار جَهْلٌ فقط؛ {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} .
المشكلةُ: فَهْمٌ خَاطِئٌ، أو فَهْمٌ مُنْحَرِفٌ، فإذا صحَّ التَّصوُّر، صَحَّ السُّلوكُ، وإذا فَسَدَ التَّصوُّرُ، فَسَدَ السُّلوكُ.
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوالَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} .
لمَّا ذَكَرَ اللهُ صِفَاتِ المنافقين، خَتَمَ السُّورة بِنِدَاءِ أَهْلِ الإيمان، وحذَّرهم من حُبِّ الدُّنْيَا، والاشتغال بها، وَبَيَّنَ أَنَّسَبَبَ كُفْرِ وَنِفَاقِ أَهْلِ النِّفاقعَدَمُ استجابتهم، وأنَّهم استحبُّوا الحياة الدُّنْيَا على الآخرة.
وحبُّ الدُّنيا يشغل عن طاعة الله ورسوله؛ فهؤلاء المنافقون ما وقعوا فيما وقعوا فيه إلاَّ بِسَبَبِ حُبِّ الدُّنْيَا.
فَأَمَرَ اللهُ أَهْلَ الإيمان أن يخالفوا أهلَ النِّفَاقِ في صفاتهم الذَّميمة، وَأَبْرَزُهَا: حُبُّ الدُّنْيَا، والاشتغالُ بها عن ذكر الله، وَعَنْ طَاعَةِ الله؛ فهم لا يذكرون الله إلاَّ قليلًا، وَذِكْرًا رِيَاءً، لا ذِكْرَ مُوقِنٍ وَمُخْلِصٍ.
وَأَقْبَحُ مَقَامٍ قَامَهُ الإنسانُ مَقَامُ الرِّيَاءِ، كما قال اللهُ تعالى: {يرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا} .
ولذلك وجَّه الله المؤمنين ما داموا على قيد الحياة ألاَّ أن يكونوا كالمنافقين الَّذين ضَيَّعُوا حياتَهم بالكفر والنِّفاق، واشتغلوا بالدُّنيا عن الآخرة، فَاسْتَحْوَذَ عليهم الشَّيْطَانُ، فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ الله.
وَكَثْرَةُ الذِّكْرِ وَدَوَامُهُ سَبَبٌ لدوام المحبَّة، وهو خَمْسَةٌأنواعٌ:
-منها: ذِكْرُهُ بأسمائه وصفاته، والثَّناءُ عليها بها.