فهرس الكتاب

الصفحة 277 من 581

فالسَّبَبُ الأوَّلُ: ما أخرجه البخاريُّ ومسلمٌ عن عائشة - رضي الله عنها- قالت: كان رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ، وَيَمْكُثُ عِنْدَهَا.

فَتَوَاطَأَتُأنا وَحَفْصَةُأَيَّتَنَا دَخَلَ عليها فَلْتَقُلْ له: إنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟

قال: «لَا، وَلَكِنِّي كُنْتُأَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبِ بِنْتِ جَحْشٍ، فَلَنْأَعُودَ وَقَدْ حَلَفْتُ، لَا تُخْبِرِي بِذَلِكَأَحَدًا» .

وقد جاء في «الصَّحيحين» أنَّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان يشتدُّ عليه أن يوجد منه الرِّيحُ، ولهذا قُلْنَ له: أَكَلْتَ مغافيرَ، وَقُلْنَ ذلك؛ لتنفيره من الإكثار من الدُّخول على بعض أزواجه يشرب عندها العَسَلَ، ويتأخَّر لأجل شرب العسل.

وكان رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يحبُّ الحَلْوَاءَ والعَسَلَ.

والسَّبَبُ الثَّاني: أنَّ الرَّسُولَ - صلَّى الله عليه وسلَّم - كان في بيت حَفْصَةَ، وَكَانَتْ خَارِجَ البَيْتِ، فجاءت ماريةُ القِبْطِيَّةُأمُّإِبْرَاهِيمَ، فَحَصَلَ مِنْهُ مَعَهَا علاقةٌ، فجاءت حَفْصَةُ ووجدت على الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - وَعَاتَبَتْهُأنَّه في بيتها.

وفي «المسند» بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عن ابن عمر قال: «قال الرَّسولُ - صلَّى الله عليه وسلَّم - لِحَفْصَةَ: «لَا تُخْبِرِي أَحَدًا، وَإِنَّأُمَّإِبْرَاهِيمَ عَلَيَّ حَرَامٌ» .

فقالت: «أتحرِّم ما أحلَّ الله لك؟» قال: «فَوَاللهِ لَا أَقْرَبُهَا» . فلم يَقْرَبْهَا حتَّى أخبرت عائشة.

وحصل هذا في بيت النُّبوَّة؛ لكثرة أزواجه وتنافسهنَّ عليه وغيرتهنَّ من بعضٍ.

قوله: {تَبْتَغِيمَرْضَاتَأَزْوَاجِكَ} أي: تبتغي بذلك التَّحريم إرضاءَأزواجك.

قوله: {وَاللَّهُغَفُورٌرَحِيمٌ} .

أي: غفورٌ لما قد حصل منك، وَرَحِيمٌ بك.

فهذا تَصْرِيحٌ أنَّ اللهَ قد غَفَرَ لِرَسُولِهِ وَرَفَعَ عَنْهُ اللَّوْمَ، فَعَفَا اللهُ عنه بَعْدَ أن عاتبه.

قوله: {قَدْفَرَضَاللَّهُلَكُمْتَحِلَّةَأَيْمَانِكُمْ} أي: كفَّارةَأيمانكم.

هذا نَصٌّ صريحٌ وعامٌّ في كلِّ يَمِينٍ يَحْلِفُ بها المسلمون؛ أنَّ اللهَ قد فَرَضَ لَهُمْ تَحِلَّةَأَيْمَانِهِمْ، والنَّاسُ يَحْلِفُونَ بِأَيْمَانٍ شَتَّى لذلك.

لمَّا بَيَّنَ - سُبْحَانَهُ -أنَّه قد عفا عن رسوله وعاتبه، بيَّن هاهنا المخرجَ له من ذلك، وأنَّ اللهَ شَرَعَ لكم ما تنحلُّ به أيمانُكم قَبْلَ الحِنْثِ، وبعد الحِنْثِ.

فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الحِنْثِ ففي الحَدِيثِ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» . رواه مسلم.

وفي روايةٍ: «إِذَا حَلَفَ أَحَدُكُمْ عَلَى اليَمِينِ فَرَأَى خَيْرًا مِنْهَا، فَلْيُكَفِّرْهَا، وَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» . ويؤيِّده قوله تعالى: {وَلَاتَجْعَلُوااللَّهَعُرْضَةًلِّأَيْمَانِكُمْأَنتَبَرُّواوَتَتَّقُواوَتُصْلِحُوابَيْنَالنَّاسِ} .

وإن كَانَ بَعْدَ الحِنْثِ فَلْيُكَفِّرْ؛ لأنَّه إذا وَفَّى بيمينه، كان عليه ضَرَرٌ في الدُّنيا والآخرة.

فَشَرَعَ اللهُ لَنَا الكَفَّارَةَ؛ سَوَاءٌ حَنِثَ، أو أراد أن يَحْنَثَ، ولذلك كفَّر نبيُّنا - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن يَمِينِهِ، وأَصَابَ جَارِيَتَهُ الَّتي حرَّمها على نفسه.

قوله: {وَاللَّهُمَوْلَاكُمْ} أي: يَتَوَلَّى أُمُورَكُمْ. وهذه وِلايَةٌ خاصَّةٌ لعباده المؤمنين.

وهناك وِلايَةٌ عَامَّةٌ لجميع الخَلْقِ، فَيُنْفِذَ فِيهِمْأَوَامِرَهُ الكَوْنِيَّةَ، وَيَرْزُقَهُمْ ربوبيَّته العامَّةَ.

قوله: {وَهُوَالْعَلِيمُالْحَكِيمُ} .

أي: اللهُ عَلِيمٌ بِمَا يُصْلِحُكُمْ. وَحَكِيمٌ في أَمْرِهِ وَخَلْقِهِ وَقَدَرِهِ وَشَرْعِهِ.

قوله: {وَإِذْأَسَرَّالنَّبِيُّإِلَابَعْضِأَزْوَاجِهِحَدِيثًا} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت