فهرس الكتاب

الصفحة 287 من 581

والصِّفَةُ الثَّانية: {وَهُوَعَلَاكُلِّشَيْءٍقَدِيرٌ} . كَمَالُ القُدْرَةِ؛ فهو على كلِّ شَيْءٍ إذا أَرَادَهُ قَدِيرٌ؛ فله المُلْكُ المُطْلَقُ، وله كَمَالُ القُدْرَةِ؛ فلا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ.

ثمَّ ذَكَرَ من معالم مُلْكِهِ وَقُدْرَتِهِ خَمْسَةَ مَعَالِمَ؛ خَلْقَ الموت والحياة، وَخَلْقَ السَّماوات، وتذليل الأرض، وَتَسْخِيرَ الطَّيْرِ في الهواء، وخُتِمَتِ السُّورةُ بتذكيرهم بأعظم النِّعم نِعْمَةِ الماء.

قوله: {الَّذِيخَلَقَالْمَوْتَوَالْحَيَاةَ} : المَوْتُ مَخْلُوقٌ؛ خَلَقَهُ اللهُ مِنْ جُمْلَةِ مخلوقاته، وَخَلَقَالحَيَاةَ.

فالموتُ وَالحَيَاةُ مَخْلُوقَانِ من مخلوقات الله؛ فَهِيَ مِنْ خَصَائِصِ الله؛ فلا يُوجِدَهُمَا إلاَّ اللهُ.

فلا يستطيع أَحَدٌأَنْ يُوجِدَ المَوْتَ، ولا أَنْ يَنْفُخَ الرُّوحَ في مَخْلُوقٍ مَيِّتٍ، أو يُوجِدَهُ مِنَ العَدَمِ، فيجعله حيًّا إلاَّ اللهُ.

فاللهُ هو الَّذي يحيي؛ أَيْ: يُوجِدُ من العَدَمِ. وَيُمِيتُ الأحياءَ بَعْدَ حَيَاتِهِمْ، وَيَبْعَثُهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ.

قدَّم الموتَ على الحياةِ؛ لأنَّ الإنسانَ بِدَايَتُهُ مَيِّتٌ؛ فلم يَكُنْ شَيْئًا مذكورًا؛ فَسَبْقُهُ عَدَمٌ.

ثمَّ أَوْجَدَهُ اللهُ؛ فَكُلُّ الأشياء مَيِّتَةٌ، ثمَّ يُحْيِيهَا اللهُ.

وقدَّم الموتَ على الحياة؛ لأنَّ من جَعَلَ نُصْبَ عَيْنَيْهِ المَوْتَ، عَمِلَ لما بعد الموت؛ فهو أَكْبَرُ دَاعٍ للعَمَلِ الصَّالِحِ.

وَقَدْ وَرَدَ في «التَّرغيب والتَّرهيب» للمنذريِّ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَانِينَ حَدِيثًا كلُّها تَأْمُرُ بالإكثار مِنْ ذِكْرِ الموت.

لمَّا أَخْبَرَ اللهُأنَّهُ قدَّر آَجَالِ الخَلْقِ وَحَيَاتَهُمْ، بَيَّنَ بَعْدَهَا أنَّ ذَلِكَ لِحِكْمَةٍ عَظِيمَةٍ، وهي: {لِيَبْلُوَكُمْأَيُّكُمْأَحْسَنُعَمَلًا} .

اللهُأَوْجَدَنَا على أرضٍ؛ لتكون العبادةُ لله؛ فَخَلَقَ الدُّنْيَا لنا، وَخَلَقَنَا للآَخِرَةِ، وَجَعَلَ الدُّنْيَا مزرعةً للآخرة.

فَمَنْ عَاشَ في الدُّنْيَا، وَنَظَرَ إلى ظاهرها، وَنَسِيَ المَوْتَ والبِلَى، وَعَمِلَ للدُّنيا وَغَفَلَ عن الآخرة، خَسِرَ الدُّنيا والآَخِرَةَ.

وَمَنْأَرَادَ الآَخِرَةَ، وَسَعَى لها سعيَها، رَبِحَ الآخِرَةَ والأُولَى.

{لِيَبْلُوَكُمْ} ؛ أي: ليختبرنا. يقول اللهُ تعالى: {إِنَّاجَعَلْنَامَاعَلَاالْأَرْضِزِينَةًلَّهَالِنَبْلُوَهُمْ} ، وقال سبحانه: {لِّيَبْلُوَكُمْفِيمَاآتَاكُمْ} ؛ أَيْ: لِيَبْلُوَنَا فيما آتانا.

والسُّؤَالُ: مَتَى يَكُونُ العَمَلُ صَالِحًا؟ قالوا: «بثلاثة شُرُوطٍ: أوَّلًا: الإيمانُ؛ فاللهُ لا يُجَازِي إلاَّ أَهْلَ الإيمان في جميع الأعمال.

وثانيًا: أَنْ يَكُونَ البَاعِثُ على العمل ابتغاءَ مَرْضَاةِ الله؛ فلا يكون فيه شِرْكٌ ولا رِيَاءٌ ولا سُمْعَةٌ.

وثالثًا: أن يَكُونَ العَمَلُ موافقًا لِهَدْيِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فلا يقبل اللهُ عملًا إلاَّ وَفْقَ هَدْيِ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -.

قوله: {وَهُوَالْعَزِيزُالْغَفُورُ} : فاللهُ العَزِيزُ؛ أَيْ: ذا القوَّة والغَلَبَةِ؛ فَلَهُ الكبرياءُ، والعِزَّةُ، والقُوَّةُ، والغَلَبَةُ على جميع خَلْقِهِ؛ فَهُوَ العَزِيزُ الَّذي لا يُغْلَبُ.

وهو الغفورُ؛ أَيْ: كَثِيرَ المَغْفِرَةِ؛ فمع عزَّته وغلبته لِخَلْقِهِ هو غَفُورٌ؛ لأنَّ الغَالِبَ في الخَلْقِ إذا كان عنده شَيْءٌ من التَّعاظم والعزَّة ما يتسامح، ويكون طبعُه الغلظةَ والظُّلْمَ وَعَدَمَ العفو والرَّحمة، واللهُ مع عزَّته وعظمته غَفُورٌ وَكَثِيرُ المغفرة والرَّحمة.

قوله: {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} اللهُأَوْجَدَهَا مِنَ العَدَمِ؛ فاللهُ هو الَّذي خَلَقَ هذه السَّماواتِ، وَخَلَقَهَا مُحْكَمَةً وَقَوِيَّةً وَمُسْتَوِيَةً على شَكْلِ قبَّةٍ.

ومع أنَّها مخلوقٌ عظيمٌ، فلا يوجد أَرْضٌ ومكانٌ لا تغطِّيه السَّمَاءُ، وَجَعَلَ سُمْكَهَا خَمْسَ مِائَةِ سَنَةٍ.

وَبِدُونِ عَمَدٍ ترفعُها من تحتها، وبدون علائقَ تُمْسِكُهَا مِنْ فَوْقِهَا.

سبحان الله! المهندس إذا أراد أن يُخْرِجَ من السَّقْفِ مِتْرًا وَنِصْفًا يحتاج إلى أعمدةٍ ترفعها، فكيف بسماءٍ سَمِيكَةٍ وتغطِّي كلَّ مَكَانٍ وَبِدُونِ عَمَدٍ وَسَبْعٍ طِبَاقٍ؟ إنَّ اللهَ يُمْسِكُهَا بقدرته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت