فهرس الكتاب

الصفحة 288 من 581

وهي مستويةٌ لا اعْوِجَاجَ فيها، وهي أيضًا مُسْتَوِيَةٌ لا شُقُوقَ فيها.

وليست سَمَاءً وَاحِدَةً، بل سَبْعُ سَمَاوَاتٍ طِبَاقٌ؛ أَيْ: يطابق بعضُها البَعْضَ مُحْكَمَةً متقنةً مستويةً، ليس فيها تَفَاوُتٌ؛ أَيْ: مُتَنَاسِبَةً، ومتناسِقَةً لا عَيْبَ فيها وَلا خَلَلَ.

قوله: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ} ؛ أَيْ: زَيَّنَ - تعالى - السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِنُجُومٍ مُضِيئَةٍ.

وللنُّجُومِأَرْبَعُ فَوَائِدَ:

-أوَّلًا: جَعَلَهَا مضيئةً.

-ثانيًا: جَعَلَهَا زِينَةً للسَّمَاءِ.

-ثالثًا: جَعَلَهَا عَلامَاتٍ يُهْتَدَي بها في ظلمات البرِّ والبحر.

-ورابعًا: جَعَلَهَا رجومًا للشَّياطين؛ فَيَخْرُجَ منها شِهَابٌ؛ أَيْ: نَارًا.

والنَّجْمُ ثَابِتٌ مَكَانَهُ، فَجَعَلَ اللهُ النُّجُومَ رجومًا للشَّياطين، فلا تَصِلَ للسَّماء، ولا يتمكَّنون من استراق السَّمع.

فإذا تَبَيَّنَ هذا كُلُّهُ؛ أَنَّ المُلْكَ المُطْلَقَ والباقي والدَّائم كلُّه لله، وَعَلِمْنَا كَمَالَ قُدْرَتِهِ، وأنَّ المَوْتَ والحَيَاةَ خَلَقَهُمَا للابتلاءِ والامتحانِ وَخَلَقَ العَالَمَ العُلْوِيَّ، فَمَنْ يَسْتَحِقُّ العِبَادَةَ غَيْرُهُ-سبحانه - فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلك فله عَذَابٌ عَظِيمٌ.

قوله: {وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} : هنا ذَكَرَ اللهُ مَصِيرَ مَنْ كَفَرَأنَّ له عَذَابَ جَهَنَّمَ؛ فالنَّارُ خَلَقَهَا اللهُ وأعدَّها للشَّياطين، وللَّذين كفروا بربِّهم، ثمَّ بَيَّنَ مَصِيرَهُمْ وحالَهم في النَّار.

قوله: {إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا} : إذا طُرِحُوا في النَّارِ تَشْهَقُ فَيَسْمَعُونَ لَهَا صَوْتًا منكرًا ومفزعًا.

سبحان الله! جَعَلَ اللهُ النَّارَ لها إِدْرَاكٌ وَإِحْسَاسٌ وَإِرَادَةٌ، وَتَغْتَاظُ وَتُبْصِرُ وَتَتَكَلَّمُ؛ فكلُّ المخلوقات تَكْرَهُ مَنْ عَصَى اللهَ، وَتُحِبُّأيضًا من أَطَاعَهُ.

قوله: {وَهِيَ تَفُورُ} ؛ أي: تَغْلِي بهم غَلَيَانَ القِدْرِ.

لها إذا ما غَلَتْ فَوْرٌ يقلِّبهم *** ما بين مُرْتَفِعٍ فيها ومُنْحَدِرِ

قوله: {تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ} :أَيْ: تكاد تَتَقَطَّعُ من الغَيْظِ على الكفَّار.

قوله: {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ} :أَيْ: جَمَاعَةً؛ فهم يدخلون جماعاتٍ وأفواجًا.

قوله: {سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا} : هذا فيه بَيَانُ عَدْلِ اللهِ بِسُؤَالِ خَزَنَتِهَا {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ} ، {قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ} .

فذكروا تكذيبَهم وموقفَهم مِنْ رُسُلِهِمْ، فَأَقَامَ اللهُ عَلَيْهِمُ الحُجَّةَ قَبْلَ دُخُولِهِمْ باعترافهم، وفيها أنَّ اللهَ لايُعَذِّبُأحدًاإلاَّ بَعْدَ قيام الحُجَّةِ عليه.

قوله: {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ} :أَزْمَةُ أهل النَّار في النَّار ومشكلتُهم ملخَّصةٌ في قوله: {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ} .

كلُّ النَّاس معهم سَمْعٌ؛ سَوَاءٌ كانوا كفَّارًا أو مؤمنين، ولكن المُرَادُ سَمَاعُ انتفاعٍ.

على سبيل المثال: هناك مَنْ يَسْمَعُ المؤذِّنَ فيستجيب، وهناك من يَسْمَعُهُ فلا يستجيب.

وكلُّ النَّاس معهم عُقُولٌ، لَكِنِ المُرَادُ العَقْلُ الَّذي يَفْهَمُ وَيَنْتَفِعُ.

قوله: {فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ} : فاعترفوا على أَنْفُسِهِمْ، والاعترافُ سَيِّدُ الأدلَّة.

{فَسُحْقًا لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ} ؛ أَيْ: بُعْدًا وهلاكًا لأصحاب النَّار.

وبعدما ذكر اللهُ حَالَ أَهْلِ النَّار، ذكر ما للمؤمنين في مقابل ذلك.

قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ} هم المؤمنون الَّذين يَخْشَوْنَ اللهَ.

والخَشْيَةُ مِنْ أَعْظَمِ أنواع العبادة. ومعنى {يَخْشَوْنَ رَبَّهُم} ؛ أَيْ: في حَالَةِ غَيْبَتِهِمْ عن النَّاس كخشيتهم له في العلانية؛ فَاسْتَوَتْ عَلَانِيَتُهُمْ وَسَرَائِرُهُمْ. فَيَخَافُونَ اللهَ دَائِمًا في السِّرِّ والعَلَنِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت