فهرس الكتاب
أو يكون المعنى: يَخْشَوْنَ عَذَابَ الله قَبْلَ المُعَايَنَة، بِخِلافِ مَنْ يُرَاقِبُ اللهَ في العَلَنِ، ولا يتورَّعُ في السِّرِّ؛ فَهُوَ وَلِيٌّ لله في العلانية، وَعَدُوٌّ له في السِّرِّ.
فَمَا لِمَنِ اتَّصف بهذه الخصال العظيمة؟ لهم مَغْفِرَةٌ مِنَ الله؛ لأنَّه لا يَسْلَمُ من الذَّنْبِ أَحَدٌ، ولهم أَجْرٌ كَبِيرٌ على إيمانهم، وعلى أعمالهم الصَّالحة.
قوله: وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ: كان مُشْرِكو مَكَّةَ ينالون من رَسُولِ الله ويقولون: «لا تجهروا؛ حتَّى لا يَسْمَعَكُمُ الملائكةُ والنَّاسُ» .
فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآَيَةَ، وأنَّهُ عَلِيمٌ بذات الصُّدُورِ، وأنَّهُ عَالِمٌ بالضَّمائر قَبْلَ الجهر والإسرار بها، فكيف بما تقولون به؟
وَيَعْلَمُ ما في النُّفوس وَإِنْ لَمْ تَتَكَلَّمْ؛ فلا يَخْفَى عليه شَيْءٌ. وَمَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ يَسْتَحِقُّ الخَوْفَ والخَشْيَةَ والمُرَاقَبَةَ.
قوله: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ} : إذا كان اللهُ خَلَقَ المخلوقات، فكيف يَخْفَى عليه أَمْرُهَا؟
كيف لا يَعْلَمُ بالضَّمائر ولا يعلم بالسِّرِّ والجَهْرِ مَنْ خَلَقَهَا، والله خَلَقَكُمْ وما تعملون؟ خَلَقَ الإِنْسَانَ وَخَلَقَ فِعْلَهُ وَخَلَقَقَوْلَهُ.
قوله: {وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} : اللَّطِيفُ العَالِمُ بدقائق الأمور؛ لأنَّ اللَّطِيفَ لَهُ عِدَّةُ مَعَانٍ، منها مَنْ لا يَخْفَى عليه شَيْءٌ، ومنها من يَلْطُفُ بِعِبَادِهِ؛ أَيْ: رءوفٌ رَحِيمٌ.
والخبيرُ العَالِمُ بِحَقَائِقِ الأُمُورِ؛ أَيْ: يَخْبُرُ كلَّ شَيْءٍ بِخِبْرَتِهِ.
قوله: {جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا} ؛ أي: جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مذلَّلةً وَمُنْقَادَةً ومسهَّلةً لكم، ولم يَجْعَلْهَا صَعْبَةً، فَجَعَلَ الأَرْضَ كالجَمَلِ الذَّلُولِ كَيْفَمَا يُقَادُ يَنْقَادُ.
قوله: {امْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا} : فُسِّرَتِ المناكبُ بالجِبَالِ، والَّذي يظهر أنَّ المُرَادَ سَطْحُهَا وَوَجْهُ الأَرْضِ.
والأَمْرُ للإباحة؛ أَمَرَهُمْ بِالمَشْيِ في سُهُولِهَا وَفِجَاجِهَا وَطُرُقَاتِهَا.
قوله: {وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ} :اللهُ قَدَّرَ الأَقْوَاتَ وَوَزَّعَهَا في الأَرْضِ؛ فَذَكَرَأوَّلًاتهيئة المسكن، وَأَمَرَ بالتَّقَلُّبِ والمجيء والذَّهابوالأَكْلِ مِمَّا أَوْدَعَ فيها، فَأَمَرَكَ بِطَلَبِ الرِّزْقِ.
فَأَرْضٌ تُولَدُ فيها، وَأَرْضٌ تُرْزَقُ فيها؛ {وَكَأَيِّن مِّن دَابَّةٍ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا} ، {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} .
اللهُ لَطِيفٌ؛ لَمْ يَحْصِرِ الرِّزْقَ في مكانٍ وَاحِدٍ؛ فَفِي هذه الآيَةِ تَذْكِيرٌبِتَوْحِيدِ اللهِ، والتَّذْكِيرُ بِنِعَمِهِ.
قوله: {وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} : بَعْدَ الحَيَاةِ مَوْتٌ، وَبَعْدَ المَوْتِ حَيَاةٌ، وَيَحْشُرُهُ اللهُ مِنْ مَرْقَدِهِ أينما دُفِنَ فيه.
على الإنسانألاَّ يَغْتَرَّ بالحياة، ولا ينسى آَخِرَتَهُ، وفي هذه الآيَةِ حَثٌّ على السَّيْرِ الى الله والاستعدادللقائه.
قوله: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ} : هذا تهديدٌ للكفَّارِ؛ أَأَمِنْتُمْ من في السَّماء أن يعاقبكم على كفركم؟ «أأمنتم من في السَّماء؟» اسْتِفْهَامٌإِنْكَارِيٌّ؛ أَيْ: لا يَلِيقُ بكم أَنْ تَأْمَنُوا من في السَّماء؛ أَيْ مَنْ على السَّماء، على الذَّات.
وفيها إثباتُ صِفَةِ العُلُوِّ لله؛ فاللهُ مُسْتَوٍ على عرشه، والعرشُ سَقْفُ المخلوقات، وليس فَوْقَ العَرْشِ إلاَّ اللهُ.
فَفِيهَا إِثْبَاتُ صِفَةِ العُلُوِّ للهِ؛ فَلَيْسَ فَوْقَهُشَيْءٌ، فَهُوَ مستوٍ على عرشه، بائنٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَلِيَ حالًا في السَّماء.
إنَّما هو فَوْقُ، وَإِنْكَارُ الجهة ضَلالٌ؛ فاللهُ في جِهَةِ العُلُوِّ؛ فَلَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ، ولا يقال: إنَّهُ مُنَزَّهٌ عن الجهة. فله عُلُوُّ الذَّات. أمَّا أَمْرُهُ وَعِزُّهُ وَسُلْطَانُهُ فَفِي كلِّ مكانٍ.