فهرس الكتاب

الصفحة 290 من 581

قوله: {يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ} : لمَّا امْتَنَّ اللهُ على خَلْقِهِ بِتَذْلِيلِ الأرض، فجعلها مذلَّلةً وقارَّةً وساكنةً، هدَّدهم وخوَّفهم أيضًا.

خوَّفهم أيضًا بالأرض؛ أَنْ يَخْسِفَ بهم الأرضَ، فيحرِّكَها، والخَسْفُ مِنْ أَشَدِّ العقوبات، ويكثر الخَسْفُ والكسوفُ إذا كَثُرَ الإلحادُ والكُفْرُ.

قوله: {فَإِذَا هِيَ تَمُورُ} : أَيْ: تَضْطَرِبُ وتتحرَّك بَعْدَأَنْ كَانَتْ سَاكِنَةً وقارَّةً.

قوله: {أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ} : هذا أيضًا اسْتِفْهَامٌ اسْتِنْكَارِيٌّ فيه تَهْدِيدٌ.

قوله: {أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا} : أَيْ رِيحًا فيها حَصْبَاءُ. وهذه العقوباتُ أَرْسَلَهَا اللهُ على الأُمَمِ الَّتي قَبْلَنَا.

قوله: {فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ} : أَيْ فَسَوْفَ تُدْرِكُونَ سَاعَتَهَا حَقِيقَةَ نذيري وإنكاري، ولكنَّه عِلْمٌ لا ينفع؛ لأنَّ العِلْمَ الَّذي ينفع قَبْلَ مُعَايَنَةِ العذاب، أمَّا العِلْمُ عند مُعَايَنَةِ العذاب فلا يَنْفَعُ، ولا ينفع الإيمانُ.

قوله: {وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} : سُنَّةُ الله في خَلْقِهِأنَّ التَّكْذِيبَ في الأُمَمِ كَثِيرٌ، والهِدَايَةَ قَلِيلَةٌ، «فكيف كان نكيري وعذابي وعقوبتي؟»

قوله: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ} : هنا ذَكَرَ اللهُ مُعْجِزَةَ الطَّيْرِ، وهذا شَيْءٌ يَرَوْنَهُ كيف يطير في الهواء، والطَّيْرُ لا تستطيع أن تَطِيرَ بِذَاتِهَا لو لم يمكِّنها اللهُ، فأعطاها اللهُ قُدْرَةً على الطَّيَرَانِ.

قوله: {أَوَلَمْ يَرَوْا} اسْتِفْهَامٌإِنْكَارِيٌّ، ومعناه: أَغَفُلُوا وَعَمُوا عن الطَّيْرِ؟

قوله: {صَافَّاتٍ} أَيْ: مُرْسِلاتٍأَجْنِحَتَهَا.

قوله: {مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ} : أي مِنَ السُّقُوطِ والوقوع على الأرض.

ما يمسكهنَّ إلاَّ اللهُ؛ فسخَّر لها من الهواء وَمِنْ لُطْفِهِ ما يَسَّرَ لها الطَّيَرَانَ، ولذلك تَجِدُ الطَّائرات الآنَ تَعْتَذِرُ وَقْتَ سوء الأحوال الجويَّة عن الطَّيران.

قوله: {الرَّحْمَنُ} : أتى بهذا الاسم؛ لأنَّهم أَنْكَرُوهُ وقالوا: مَا عَرَفْنَا إلاَّ رَحْمَنَ اليَمَامَةِ.

وقالوا: «مُحَمَّدٌ يَأْمُرُنَا أَنْ نَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ، وهو يَعْبُدُ اثْنَيْنِ؛ يَعْبُدُ اللهَ وَيَعْبُدُ الرَّحْمَنَ» . فَرَدَّ اللهُ عليهم: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا} .

قوله: {إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ} :أي بكلِّ شَيْءٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ بَصِيرٌ؛ فَيُعْطِيَهُ ما يُنَاسِبُهُ، فَأَعْطَى الطَّيْرَ القُدْرَةَ على الطَّيَرَانِ؛ فكلُّ مخلوقٍ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له.

{بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ} يُعْطِي كلَّ شَيْءٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ ما يناسبه.

قوله: {أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ} : خَاطَبَ اللهُ الكُفَّارَ بأنَّ هذه المعبوداتِ الَّتي تعبدونها لا تَخْلُقُ ولا تَرْزُقُ ولا تُدَبِّرُ.

مَنْ يُدَافِعُ عَنْكُمْ وَيَنْصُرُكُمْإِنْأَرَادَكُمُ اللهُ بِشَيْءٍ؟ فاللهُ وَحْدَهُ هو الَّذي يَنْصُرُ وَيَرْزُقُ.

وكلُّ هذه الأدلَّة العقليَّة والبراهين المرئيَّة تدلُّ على أنَّه الإِلَهَ الحَقَّ المستحقَّ للعبادة، وأنَّ جَمِيعَ المعبودات لا تَخْلُقُ ولا تَرْزُقُ ولا تَدْفَعُ عَنْكُمْ شَيْئًا، ولا تستحقُّ العبادة، إنَّما يستحقُّ العبادةَ مَنْ يَخْلُقُ وَيَرْزُقُ وَيُدَافِعُ عَنْكَ.

هذا استفهامٌ للتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، و «أَمْ» بمعنى «بَلْ» ؛أَيْ: بل من ينصركم إن أتاكم عذابُ الله.

قوله: {إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ} : معنى «إِنْ» نَافِيَةٌ؛ أَيْ: «ما الكافرون إلاَّ في غرورٍ يُمْلِيهِ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ» .

قوله: {أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ} : الرِّزْقُ بِيَدِ الله، وأعظمُه المَطَرُ الَّذي يَنْزِلُ من السَّمَاءِ، والخَلْقُ مهما أَعْطَوْا وَبَذَلُوا فهم لا يُغْنُونَ عَنْكَ شيئًا؛ فما مَقْدِرَتُكَأيُّهَا الإنسانُ؟

هل تستطيع أن تُطْعِمَ بلدًا كاملًا لمدَّةِ يَوْمٍ؟ حتَّى لو استطعتَ فبقيَّةَ الأيَّام مَنْ يُطْعِمُهُمْ؟ فما مَقْدِرَتُكَ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت