-فَائِدَةٌ: غايةُ عَدُوِّكَأن تُدَاهِنَهُ، فلا تَتْرُكِ الحقَّ مِنْ أَجْلِإرضاء النَّاس، ولا تتنازل لأحدٍ مهما كانت الضُّغوطُ.
قوله: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ} :عاب الوَلِيدُ بنُ المغيرة نبيَّنا - صلى الله عليه وسلم - بعيبٍ واحدٍ كذبًا وزورًا، فعابه اللهُ تِسْعَةَ عُيُوبٍ، وهذه العيوبُ نرجو من الله السَّلامة منها:
1 - {حلاَّف} : أي كَثِيرَ الحَلِفِ بالحقِّ والبَاطِلِ؛ فَيُكْثِرُ الحَلِفَ على أمورٍ تافهةٍ.
وفي الحديث: «وَرَجُلٌ جَعَلَ اللهُ بِضَاعَتَهُ لَا يَبِيعُ إِلاَّ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَشْتَرِي إِلاَّ بِيَمِينِهِ» . رواه الطبراني و الهيثمي و المنذري و صححه الألباني في صحيح الجامع.
وَكَثِيرُ الحَلِفِ دَلِيلٌ على كَثْرَةِ الكذب، والاستهانة بحقِّ الله، وعدم توقير اليمين. يقول اللهُ: {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} .
1 - {مَهِينٌ} :حَقِيرٌ وكذَّابٌ.
2 - {همَّازٌ} : عَيَّابٌ وَطَعَّانٌ وَمُغْتَابٌ.
3 - {مَشَّاءٌبِنَمِيمٍ} : نقَّالٌ للحديث مِنْ قَوْمٍ إلى قَوْمٍ على وَجْهِإِفْسَادِ ذَاتِ البَيْنِ.
4 - {منَّاعٌ للخير} : بَخِيلٌ؛ فلا يُنْفِقُ في الخير، وَيَمْنَعُ غَيْرَهُ، أَوْأَهْلَهُ مِنْ فِعْلِ الخير.
5 - {مُعْتَدٍ} :أَيْ ظَالِمًا يعتدي على النَّاس في أموالهم وأعراضهم.
6 - {أَثِيمٌ} :كَثِيرُ الإِثْمِ والعِصْيَانِ.8 - عُتُلٌّ: أي غَلِيظٍ، وجافٍّ، قَوِيِّ الجسم، قاسي القلب، كثير الجهل.
9 - {عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} :أَيْ وَفَوْقَ ذلك أو مع هذه الأوصاف القبيحة زَنِيمٌ؛ أَيْ: دَعِيٌّ لَصِيقٌ، لا يُعْرَفُ له أَصْلٌ، أو مُنْقَطِعُ الخَيْرِ؛ يَعْنِي ما فيه خَيْرٌ.
قوله: {أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ} :لمَّا أعطاه اللهُ المالَ والوَلَدَ، تَكَبَّرَ على طاعة الله، فَمِنْ أَعْظَمِ موانع الهداية، التَّكبُّرُ، والتَّكثُّرُ بالمال والولد.
قوله: {قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} : أي أكاذيب الأوَّلين.
وصف المكذِّبُون القرآنَ بأنَّهُأَسَاطِيرُ، وَوَصَفَهُ اللهُ بأنَّهُ ذِكْرٌ للعالَمِينَ.
قوله: {سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ} : توعَّده اللهُ بالوَسْمِ على أَنْفِهِأَعَزِّ شَيْءٍ في الوجه؛ جَزَاءً لمعارضته لكتاب الله ورسوله، عاقبة مَنِ اسْتَكْبَرَ سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ ولم يقل سنسمه على أنفه؟
لمَّا ذَكَرَ اللهُ صِفَاتِهِ الذَّمِيمَةِ الَّتي تنافي الإنسانيَّة، جاء بوصفٍ يدلُّ على الحيوانيَّة، والخرطوم للفيل والخنزير، فهو لا يستحقُّأن يوصف بالصِّفات الإنسانيَّة.
قوله: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ} :اللهُ - تعالى - امْتَحَنَ كفَّارَ قريشٍ، وشبَّههم بأصحاب الجنَّة؛ أَنْعَمَ اللهُ على قُرَيْشٍ بنبيِّنا محمَّدٍ- صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رسولًا من أنفسهم، وَبِلُغَتِهِمْ، وَجَاءَهُمْ بِخَيْرَيِ الدُّنيا والآخرة وعزِّهما؛ «يا عَمُّ إنَّما أُرِيدُ منهم كَلِمَةً تَدِينُ لهم بها العَرَبُ وَالعَجَمُ» رواه أحمد و الترمذي و ابن حبان.
فَقَابَلُوا هذه السَّعَادَةَ والخَيْرَ بالكفران والتَّكْذِيبِ، فَوَقَعُوا في الضَّرَرِ كَمَا وَقَعَأَصْحَابُ الجَنَّةِ في الضَّرر.
قوله: {كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ} : فِيهِ بَيَانُ حَالِ البخلاء، وما يُعَاقَبُونَ به في الدُّنْيَا قَبْلَ الآخرة مِنْ تَلَفِ الأموال، إمَّا إغراقًا، وإمَّا إحراقًا، وإمَّا نَهْبًا، وإمَّا مصادرةً.
وقصَّتهم أنَّهكان في أرض اليمن حَدِيقَةٌ لرجلٍ مؤمنٍ من أهل الكتاب اسمُهُ القرينُ رِضْوَانُ على بُعْدِ فَرْسَخٍ من صَنْعَاءَ، وكان يُعْطِي المساكينَ من حديقته، فيبارك اللهُ له.
فلمَّا مات وَرِثَهُ ثلاثةُ أَبْنَاءٍ، لكنَّهم أساءُوا، فَحَلَفُوا ألاَّيُعْطُوا مِسْكِينًا منها شيئًا.
وفيها أنَّ مَنْ عَزَمَ على فعل معصيةٍ عزمًا أكيدًا؛ أَثِمَ واستحقَّ العقوبة، والنِّيَّةُ السَّيِّئَةُ والمكر السَّيِّئُ لا يَحِيقُ إلاَّ بِأَهْلِهِ، وَمَنْعُ حقوق الفقراء الواجبة سَبَبٌ في سَلْبِ النِّعْمَةِ.