ففي الحديث في «سنن سعيد بن منصورٍ» عنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قَالَ: «إنَّ العَبْدَ إذا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فإذا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ سُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، وَهُوَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ» ؛ {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} .و في رواية (صُقِل قلبه) بالصاد
وَمِنْ هُنَا جَعَلَ اللهُ مَلَكَينِ مُوَكَّلينِ يُرَاقِبَانِ العَبْدَ، وَيُحْصِيَانِ عَلَيْهِ عَمَلَهُ، وَيَكْتُبَانِ مالَكَ وَمَا عَلَيْكَ.
وقوله: {جَاءَتْسَكْرَةُالْمَوْتِبِالْحَقِّذَلِكَمَاكُنْتَمِنْهُتَحِيدُ} : فَبَعْدَ أَنبَيَّنَأنَّهُ خَلَقَ الإنسانَ، وَبَيَّنَ عِلْمَهُ بِهِ، وَقُدْرَتَهُ عليه، وَقُرْبَهُ منه بملائكةٍ وكتابةِأَقْوَالِهِ وأعماله، ذَكَرَ بعدَها القيامتين؛ فانتقل من كتابة العمل وإحصائه إلى الموت؛ حيث ينقضي الأَجَلُ، وَيُخْتَمُ العَمَلُ.
قوله: {وجاءت سكرة الموت} : ما أَحَدٌ يَسْلَمُ من الموت، ولابُدَّ منه، عِشْ مَا شِئْتَ فإنَّك مَيِّتٌ.
وعن أبيِّ بن كَعْبٍ - رضي الله عنه - قال: كان النَّبيُّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - إذا ذَهَبَ ثُلُثَا اللَّيل، قام فقال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اذْكُرُوا اللهَ، اذْكُرُوا اللهَ، جَاءَتِ الرَّاجِفَةُ، تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ، جَاءَ المَوْتُ بِمَا فِيهِ، جَاءَ المَوْتُ بِمَا فِيهِ» . رواه التِّرمذيُّ.
قوله: {بالحق} : سكرة الموت تَجِيءُ بالحقِّ؛ وهو لقاءُه - سبحانه وتعالى - والقُدُومُ عَلَيْهِ، وعرضُ الرُّوح عليه.
وتأتي أيضًا بالحقِّ لِمَنْ كان يكذِّب لقاءَ الله وما بعد الموت.
يقول أَحَدُ الملاحدة على فراش الموت: «فيحياتيكنتأستعدلكلشيءإلاالموت , وأناالآنأموتولستمستعدالهذا» .
وقال الآخرُ: «لقد عِشْتُ طُوَالَ عُمُرِي أقول ليس هناك إِلَهٌ أو جَنَّةٌ أَوْ نَارٌ، ولكن الآن أَشْعُرُ بوجودِها حقيقةً، وأنا الآنَ على شفير العذاب» وهذه عدالة القضاء الرباني، وقال آخر: «يا إلهي! ماذا جنيت حتى أستحق هذا» .
والسَّكْرَةُ هي تَغْطِيَةٌ للعقل كالإغماء؛ فنبيُّنا محمَّدٌ- صلَّى الله عليه وسلَّم - كان يُغْمَى عليه في سَكَرَاتِ الموت، فإذا أَفَاقَ قال: «إِنَّ لِلمَوْتِ سَكَرَاتٍ، اللَّهُمَّأَعِنِّي عَلَى سَكَرَاتِ المَوْتِ» . البخاري
وهذه السَّكرةُ تأتي بالحقِّ؛ لأنَّ الإنسانَ عند الموت يشاهد ما توعِّد به، وما وُعِدَ به، فيشاهد مقعدَه في النَّار، ومقعدَه في الجنَّة.
أمَّا قوله: {ذلك ما كنتَ منه تحيد} : تأتي على مَعْنَيَيْنِ:
-الأوَّل: «ما» نافية. «تَحِيدُ» ؛ أَيْ: لابُدَّ منه. وقيل: «تحيد» ؛ أي: ما تَفِرُّ منه؛ وهو الموتُ، ويكره الموتَ.
وفي تلك اللَّحظة يَطْلُبُ الكافرُ الرَّجْعَةَ؛ {ربِّ ارْجِعُونِ} وَيَطْلُبُ الفَاجِرُ المُهْلَةَ؛ {رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيب} . فيؤمن الكافرُ، فلا يُقْبَلُ منه، ويتوب العاصي، فلا تُقْبَلُ منه.
لأنَّ التَّوبَةَ لا تُقْبَلُ عند المعاينة، ولا تُقْبَلُ عند طلوع الشَّمس من مغربها؛ يقول الله: {يَوْمَيَأْتِيبَعْضُآيَاتِرَبِّكَلَايَنفَعُنَفْسًاإِيمَانُهَالَمْتَكُنْآمَنَتْمِنقَبْلُأَوْكَسَبَتْفِيإِيمَانِهَاخَيْرًا} .
والسَّببُلأنَّه انتهى الامتحانُ، والامتحانُ يَبْدَأُ مِنْ بُلُوغِ الإنسان خَمْسَةَ عَشَرَ عامًا، فيجري عليه القَلَمُ إلى الموت، فإذا مات، انتهى الامتحانُ.
قوله: {وَنُفِخَفِيالصُّورِذَلِكَيَوْمُالْوَعِيدِ} : هنا ذَكَرَ القيامة الكبرى؛ وهي نَفْخَةُ البَعْثِ.
الصُّورُ هو القَرْنُ الَّذي مع إسرافيل، وهذا القَرْنُ لا يعلم عِظَمَهُ إلاَّ اللهُ، وهذا المَلَكُ الَّذي يَنْفُخُ فيه لا يَعْلَمُ عِظَمَ خِلْقَتِهِ إلاَّ اللهُ.
يقول الله تعالى: {وَنُفِخَفِيالصُّورِفَإِذَاهُممِّنَالْأَجْدَاثِإِلَارَبِّهِمْيَنسِلُونَ (51) قَالُوايَاوَيْلَنَامَنبَعَثَنَامِنمَّرْقَدِنَا هَذَامَاوَعَدَالرَّحْمَنُوَصَدَقَالْمُرْسَلُونَ (52) إِنكَانَتْإِلَّاصَيْحَةًوَاحِدَةًفَإِذَاهُمْجَمِيعٌلَّدَيْنَامُحْضَرُونَ (53) } .