قال قتادةُ: «ما سَبَّ اللهُ تُبَّعًا، إنَّمَا سَبَّ قَوْمَهُ؛ لأنَّه آَمَنَ باللهِ، وَدَعَا قومَه إلى الإيمان، فكذَّبوا، فأهلكهم الله» .
قوله: {كلٌّ كذَّب الرسل} : «كُلّأمَّةٍ كذَّبت برسولها؛ فكلُّ من آَمَنَ بِرَسُولٍ فقد آَمَنَ بالرُّسُلِ كلِّها، وكلُّ مَنْ كَذَّبَ بِرَسُولٍ فقد كذَّب الرُّسُلَ كلَّها.
هذه الأُمَمُ على كَثْرَتِهِمْ لمَّا كذَّبوا الرُّسُلَأَهْلَكَهُمُ اللهُ؛ فلابدَّ من الإيمان بجميع الرُّسُلِ، ولابدَّ من الإيمان بجميع الكتب.
قوله: {فحق وعيد} : أي فاستحقُّوا الوَعِيدَ بسبب كُفْرِهِمْ وتكذيبهم.
قوله: {أَفَعَيِينَابِالْخَلْقِالْأَوَّلِبَلْهُمْفِيلَبْسٍمِنْخَلْقٍجَدِيدٍ} : الاستفهامُ هنا للإنكار والتَّوبيخ.
{أفعيينا} أي: ما عَجَزْنَا عن الخَلْقِ الأوَّلِ.
قوله: {بل هم في لبس} : أَضْرَبَ عن الكلام الأوَّل. «بل هم في لَبْسٍ» أَيْ: شَكٍّ مِنْإعادة الخَلْقِ مِنْ جَدِيدٍ؛ أي: بالبعث.
ومن هنا أنكر اللهُ على الكفَّار تعجُّبَهم من البَعْثِ بعد الموت؛ {ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف اخرج حيا أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئايَقُولُالْإِنسَانُأَإِذَامَامِتُّلَسَوْفَأُخْرَجُحَيًّا (66) أَوَلَايَذْكُرُالْإِنسَانُأَنَّاخَلَقْنَاهُمِنقَبْلُوَلَمْيَكُشَيْئًا} . فهو الَّذي بَدَأَ الخَلْقَ، وهو الَّذي يُعِيدُهُ.
قوله: {وَلَقَدْخَلَقْنَاالْإِنْسَانَوَنَعْلَمُمَاتُوَسْوِسُبِهِنَفْسُهُوَنَحْنُأَقْرَبُإِلَيْهِمِنْحَبْلِالْوَرِيدِ} : لمَّا رَدَّ اللهُ على منكري البَعْثِ، ذَكَرَ هنا أَعْظَمَ الأدلَّة الدَّالَّة على كمال عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ - سبحانه - وهي خَلْقُ الإنسان.
فقد أوجدهم اللهُ مِنَ العَدَمِ، وَرَبَّاهم بجميع النِّعَمِ، وَجَعَلَ لَهُمْ سَمْعًا وَبَصَرًا وعقلًا، وسخَّر لهم الكَوْنَ كلَّه، وكلَّفهم بمهمَّةٍ؛ وهي عبادةُ الله وَحْدَهُ.
ثمَّ بَيَّنَ أنَّهذا الإنسانَ الَّذي خَلَقَهُ اللهُ مَكْشُوفأَمَامَ الله، فَقَالَ: {ونعلم ما توسوس به نفسه} ؛ فالله -سبحانه - يَعْلَمُ ما يَقُولُ هذا الإنسانُ، ويعلم ما يَعْمَلُ قبل أن يقول، وقبل أن يعمل.
فاللهُ - سبحانه - ربُّ النِّيَّات، وَمُطَّلِعٌ على السَّرائر، وَمِنْ هُنَا قال العلماءُ: «مَنْ لَمْ يَكُنْ له وَرَعٌ يَحْجِزُهُ عن المَحَارِمِ في الخَلَوَاتِ، لم يَعْبَأِ اللهُ بِشَيْءٍ مِنْ عَمَلِهِ» .
سَرِيرَةُ العَبْدِ وإِخْلاصُهُ أَهَمُّ شَيْءٍ، ولذلك قال العلماءُ: «إذا عَلِمَ العَبْدُ أنّاللهَ مُطَّلِعٌ وَيَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ حَرِصَ على طاعة اللهِ» .
فالعِلْمُ والقُدْرَةُ صِفَتَانِ للرَّحمن، فَإِنْأَيْقَنَ الواحدُ مِنَّا أَنّاللهَ يَعْلَمُ كلَّ شَيْءٍ، وعلمَه يَطُولُنَا، فنحن مكشوفون أمامَ الله، وَاذا عَلِمالعبد أَيْضًا أنَّقُدْرَتَهُ تَطُولُهُ، فلن يعصي اللهَ وَ خَافَ من الله؛ لعِلْمُهُ أنه مُحِيطٌ بهذا الإنسان، وهو مكشوفٌأمامَ الله.
ثمّأَخْبَرَنَا عن قُرْبِهِ من الإنسان بالقُدْرَةِ عليه، والعِلْمِ به.
قوله: {ونحنُأقربُ اليهِ من حبلِ الوريد} : حَبْلُ الوَرِيدِ هُوَ: عرقان عَظِيمَانِ في عُنُقِ الإنسان ينقلان الدَّمَ من القلب إلى الدِّماغ، وإذا قُطِعَ الدَّمُ عن الدِّماغ، مات الإنسانُ.
والقُرْبُ هنا المرادُ به قُرْبُ الله منه؛ بالعلم والقدرة والإحاطة والملائكة؛ فاللهُ يَعْلَمُ، والملائكةُ تَكْتُبُ.
قوله: {ذْيَتَلَقَّاالْمُتَلَقِّيَانِعَنِالْيَمِينِوَعَنِالشِّمَالِقَعِيدٌ} : هما المَلَكَانِ الموكَّلانِ بالعَبْدِ، وهما ليسا على الكَتِفِ، بل في مَكَانٍأَقْرَبَ إلى العَبْدِ مِنْ حَبْلِ الوريد.
وقوله: قعيد؛ أي: قاعدان للعبد معه لا يفارقانه.
قوله: {مَايَلْفِظُمِنْقَوْلٍإِلَّالَدَيْهِرَقِيبٌعَتِيدٌ} : فالرَّقيبُ مُرَاقِبٌ لا يَنْفَكُّ عنه. وعَتِيدٌ حَاضِرٌ لا يمكن أن يَغِيبَ، المَلَكُ قَاعِدٌ له، وَمُرَاقِبٌ وَحَاضِرٌ؛ أي أنَّاللهَ جَعَلَ كرامًا كاتبين؛ فَمَلَكُ الحسنات يكتب الحسنة فورًا، وملك السَّيِّئات لا يكتب إلاَّ بعد الإصرار عليها.