ففي الحديث: «لَا أَحَدَأَحَبُّ إِلَيْهِ العُذْرُ مِنَ اللهِ» . البخاريُّ.
-العَرْضَةُ الثَّالِثَةُ: تَطَايُرُ الصُّحُفِ؛ فَيَسْتَلِمَ المُؤْمِنُ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ مِنْأَمَامِهِ، والكَافِرُ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ خَلْفَ ظهره، , و تطير الصُّحفُ في الأيدي منتشرةً فيها السَّرائر، والجبَّارُ - تعالى - مُطَّلِعٌ عليها.
وعليه يتجلَّى الرَّبُّ - سبحانه - لِفَصْلِ القضاء بَيْنَ عباده؛ إِذْ نَصَبَ اللهُ كرسيَّ فَصْلِ القضاء، وانفصل الكافرون عن المؤمنين في المَوْقِفِ إلى ناحية الشَّمال، وبقي المؤمنون عن يمين العرش.
قوله: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ} :هذا هو الفوزُ الأَبَدِيُّ، فقد أُعطي كتابه باليمين، وَمِنْأَمَامِهِ تَكْرِيمًا له، وهو مَوْقِفٌ هَائِلٌ لا يتصوَّره العَقْلُ، فلا تدري، أَتَقَعُ صَحَائِفُكَ في يمينك أم في شِمَالِكَ، وَعِنْدَ الميزان كذلك مَوْقِفٌ هَائِلٌ؛ فمن يُؤْتَى كتابَه بيمينه؛ فأولئك هم السُّعَدَاءُ، ومنهم من يُؤْتَى كتابَه بشماله، أو مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ، وهم الأَشْقِيَاءُ.
{فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ} : مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ والسُّرُورِ. وهذا فَرَحُ أَهْلِ الجنَّة يفرحون بالفوز الأَبَدِيِّ.
و قد بيَّن- تعالى - السَّبَبَ في فَوْزِهِ وَنَجَاتِهِ.
{إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ} : قيل: «أيقنتُ وَآَمَنْتُ بالبَعْثِ والحساب» . وقيل: «لأَنِّي خِفْتُ من سوء الحساب» . اليقينُ بلقاء الله من أعظم أسباب الفوز والنَّجاة.
قوله: {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} : أي سَعِيدَةً. الكلُّ رَاضٍ بما هو فيه؛ فلا ينظر بما عند الآخرين، ولا أَحَدَ يَشْعُرُ بالنَّقْصِ؛ كلٌّ مسرورٌ بما هو فيه، ولا يطلب مَزِيدًا.
{فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ} :عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ، وَجَنَّةٌ عَالِيَةٌ أَيْ: مُرْتَفِعَةً في قصورها ودرجاتها وأشجارها وأصحابها؛ علوُّ المكان والصِّفات، وعلوُّأَصْحَابِهَا.
قوله: {قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ} : أَيْ ثِمَارُهَا قَرِيبَةٌ.
قوله: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا} : ليس فيها مُنَغِّصٌ أو كَدَرٌ أو أَلَمٌ؛ أكلًا هنيئًا وشرابًا هنيئًا ولا تُخَافُ غَوَائِلُهُ، إنَّما هو صِحَّةٌ وَلَذَّةٌ وَعَافِيَةٌ.
قوله: {بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} : أي أعمالُهم أَهَّلَتْهُمْ لِرَحْمَةِ الله؛ {إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} وهذا يُعلِّمنا أنه لابُدَّ مِنَ الجدِّ والجهد والاجتهاد في طاعة الله.
وعن ابن عبَّاسٍ: «هي في الصَّائِمِينَ؛ أَيْ: كُلُوا واشْرَبُوا بَدَلَ مَا أَمْسَكْتُمْ عن الأَكْلِ والشُّرْبِ لِوَجْهِ الله» .
-وفيها فَائِدَةٌ: عِظَمُ ثَمَرَاتِالعَمَلِ الصَّالِحِ بِمَا أسلفتم في الأيَّام الخالية.
قوله: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ} : فيها إِعْلانُ الخَسَارَةِ الأبديَّة؛ فيشقى شقاوةً لا يَسْعَدُ بعدها أبدًا.
عياذًا بالله العَظِيمِ فإنه يُعْطَى كِتَابَهُ بالشِّمَالِ، وَمِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ، وَتُلْوَى يَدُهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ؛ إِهَانَةً له؛ بِخِلافِأَصْحَابِ اليَمِينِ؛ يُعْطَى مِنْأَمَامِهِ.
قوله: {يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ} :لا يُحِبُّ أَنْ يطَّلع عليه أحد؛ لِمَا يَرَى فيها من المَخَازِي والفَضَائِحِ.
قوله: {يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ} : يَعْنِي يتمنَّى أنَّه لَمْ يُبْعَثْ.
التَّمَنِّي يكون للمستحيل، والتَّرجِّي للممكن، فهذا الكافر قد تَمَنِّي الموت مِنْ شِدَّةِأهوال القيامة، مع أنَّه كان في الدُّنيا أَكْرَهُ ما عنده الموتُ.
قوله: {مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ} :أَفْنَى عُمُرَهُ في جَمْعِهِ، ولم يَنْفَعْهُ يَوْمَ القيامة.
{هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ} :أَيْ حُجَّتِي، وقيل: «هَلَكَ عَنِّي مُلْكِي وَقُوَّتِي» . وَعَلَيْهِ تُطْلَقُ على الحُجَّةِ والقُوَّةِ.
-فائدةٌ: المَالُ والسُّلْطَانُ لا قِيمَةَ لهما يوم القيامة، وقد يُسْتَدْرَجُ بهما العبدُ، فتكونا سببًا في هَلاكِهِ.
قوله: {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ} :أَيِ اجْمَعُوا يَدَيْهِ إلى عُنُقِهِ.
الغَلُّ هو الرَّبْطُ؛ تَرْبِطُ يَدَهُ إلى عُنُقِهِ؛ إِهَانَةً له.
و قد تُنَزَّلُهذه الآيةُ - أحيانًا - على غَيْرِ وَجْهِهَا، وهذا لا يجوز.