فهرس الكتاب

الصفحة 304 من 581

وَالعَرْشُ هُوَ أَكْبَرُ المخلوقات تَحْمِلُهُ ثَمَانِيَةٌ من الملائكة، كما في هذه الآية، وهؤلاء الثمانية يتجاوبون بصوتٍ رقيقٍ جميلٍ.

«وَحَمَلَةُ الْعَرْشِ ثَمَانِيَةٌ، فَأَرْبَعَةٌ مِنْهُمْ يَقُولُونَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ عَلَى حِلْمِكَ بَعْدَ عِلْمِكَ، وَأَرْبَعَةٌ يَقُولُونَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ عَلَى عَفْوِكَ بَعْدَ قُدْرَتِكَ» . رواه المروزي عن شهر بن حوشب فهو حديث مقطوع.

قَالَ: «وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يَرَوْنَ ذُنُوبَ بَنِي آدَمَ» . وهو ثَابِتٌ عن حسَّانِ بْنِ عَطِيَّةَ، وَلَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ. قاله شيخُنا الطَّحَّانُ.

قال الشَّيخُ سَفَرُ الحوالي: «والَّذي ترجَّح لدينا بالنِّسبة لما يتعلَّق بحملة العرش أنَّهم ثَمَانِيَةٌ، وأنَّهم من الملائكة، وأنَّ الوَاحِدَ منهم على الصِّفة الَّتي ذَكَرَهَا النَّبيُّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - في هذا الحديث من عِظَمِ الخِلْقَةِ.

أمَّا كَوْنُهُمْ يسبِّحون فهذا صَرِيحُ القرآن، وأمَّا الكرسيُّ فهو دُونَ العرش، وَفَوْقَ السَّماوات السَّبْعِ بَحْرٌ، وَفَوْقَ البحر الكرسيُّ، وفوق الكرسيِّ العَرْشُ.

وهو لا يُقَدَّرُ بِقَدْرٍ؛ فهو أَكْبَرُ المَخْلُوقَاتِ، وأوَّلُهَا، والكرسيُّ مَوْضِعُ قَدَمَيِ الرَّبِّ سبحانه.

وهناك مَنْ قال إنَّ حَمَلَةَ العرش اليَوْمَ أَرْبَعَةٌ من الملائكة، ويوم القيامة ثَمَانِيَةٌ.

وهذا القول رجَّحَهُ ابْنُ كَثِيرٍ؛ هو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

يُسْتَدَلُّ لهذا القول بعدَّة أدلَّةٍ، منها ما رواه الطَّبريُّ بِسَنَدِهِ عن عبد الرَّحمن بن زيد بن أسلم قال: قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «يَحْمِلُهُ اليَوْمَ أَرْبَعَةٌ، وَيَوْمَ القِيَامَةِ ثَمَانِيَةٌ» .رواه الطَّبريُّ من رواية عبد الرَّحمن بن زيد بن أسلم عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهو خبرٌ مقطوعٌ، وإسنادُه ضَعِيفٌ.

وروى الطَّبريُّ أيضًا بسنده عن ابن إسحاقٍ قال: بلغنا أنَّ رسولَ لله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: «هُمُ اليَوْمَ أَرْبَعَةٌ» . يعني حَمَلَةَ العرش.

«وإذا كان يوم القيامة أيَّدهم الله بأربعةٍ آخرين، فكانوا ثمانيةً» . انظر تفسير الطَّبريِّ.

والمعنى: وجاء ربُّك- سبحانه - لفصل القضاء؛ ليجازي كلَّ عَامِلٍ بعمله، فإذا جاء اللهُ، يراه أَهْلُ المحشر كلُّهم، ثمَّ يُحْجَبُ عن الكافرين، فيشعرون بأشدِّ الحَسْرَةِ.

فإذا حَصَلَ المَجِيءُ، حَصَلَتِ الرُّؤْيَةُ، وَحَصَلَ اللِّقَاءُ، ثمَّ يَحْصُلُ عند ذلك الكلامُ، فهناك أُنَاسٌ يكلَّمون كلامَ تَكْرِيمٍ، وهناك أُنَاسٌ يكلَّمون كلامَ تَوْبِيخٍ وَتَقْرِيعٍ.

قوله: {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ} : العَرْضُ على الله له ثَلاثُ حالاتٍ:

-الحالة الأولى: عَرْضٌ عَامٌّ، وهو عَرْضُ الخلائقِ كلِّهم على الله بَادِيَةً له صفحاتُهم، لا تخفى عليه منهم خَافِيَةٌ.

-الحالة الثَّانية: يُعْرَضُ المؤمنون على ربِّهمفي أحسن حالٍ، ويقرِّرهم بذنوبهم، ثمَّ يسترها عليهم، ويغفرها لهم.

-الحالة الثَّالثة: يُعْرَضُ الكفَّار والفجَّار على الله في أتعس حالٍ وأشقاه، ويعدِّدُ عليهم جَرَائِمَهُم، وَيَفْضَحُهُمْ على رُءُوسِ الأَشْهَادِ، وتلعنهم الملائكةُ والأوَّلون والآخِرُون، وهذا لأَهْلِ الخِزْيِ والعَارِ والفُجُورِ والكُفْرِ.

وفي الحديث عند «التِّرمذيِّ» : «يُعْرَضُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ ثَلَاثَ عَرْضَاتٍ؛ فَأَمَّا عَرْضَتَانِ فَجِدَالٌ وَمَعَاذِيرُ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَعِنْدَهَا تَطِيرُ الصُّحُفُ، فَيَأْخُذُ الفَائِزُ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، وَالهَالِكُ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ» .

أمَّا عَرْضَةُ الجدال فيُدَافِعُونَ عن أَنْفُسِهِمْ وَيَقُولُونَ: لَمْ يُبَلِّغْنَا الأنبياءُ.

يقول اللهُ تعالى: {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا} .

وَعَرْضُ المعاذير يعترفون ويعتذرون؛ فمن كان عنده عُذْرٌ صَحِيحٌ قَبِلَهُ اللهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت