فهرس الكتاب

الصفحة 303 من 581

حتَّى أَوْحَى اللهُ إِلَيْهِأنَّهم لن يؤمن منهم إلاَّ مَنْ قَدْ آَمَنَ، عِنْدَهَا دعا عليهم، فَأَهْلَكَهُمُ اللهُ بالطُّوفان، حتَّى علا الجبالَ، وَمَا نَجَا إلاَّأَصْحَابُ السَّفِينَةِ.

قوله: {حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ} : حَمَلْنَا أصولَكم مع نوحٍ في السَّفينة الَّتي تجري في الماء، وأنتم ذُرِّيَّةُ مَنْ حَمَلْنَا مع نوحٍ.

قوله: {لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً} : لنجعل الوَاقِعَةَ الَّتي كان فيها نَجَاةُ المؤمنين، وإغراقُ الكافرين عِبْرَةً وَعِظَةً.

{وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} : تَسْمَعُهَا وَتَعْتَبِرُ بها كُلُّ أُذُنٍ واعيةٍ.

فالعلمُ يَدْخُلُمِنَ الأُذُنِإِلَى القَلْبِ، واللِّسَانُ رَسُولُهُ المُؤَدِّي عنه.

قال قَتَادَةُ: «وَهِيَ أُذُنٌ عَقَلَتْ عَنِ الله، وَانْتَفَعَتْ بما سَمِعَتْ» .

فَبَعْدَمَا بَيَّنَ اللهُ لنا مَا حَصَلَ للمكذِّبين من الأمم السَّابقة من العقوبات بسبب كفرهم بالله وإنكار البعث، بَيَّنَ لنا هنا متى البَعْثُ.

قوله: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ} :الصُّورُ: هو القَرْنُ، والنَّافِخُإِسْرَافِيلُ.

وهذا القَرْنُ فيه ثُقُوبٌ على عَدَدِأَرْوَاحِ البَشَرِ.

{نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ} أي: لا يَحْتَاجُ إلى عِدَّةِ نَفَخَاتٍ، بل نَفْخَةٌ واحدةٌ تكفي للصَّعق، وَنَفْخَةٌ واحدةٌ تكفي للبعث.

قوله: {وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً} : كذلك الجِبَالُ والأرض؛ ضَرْبَةٌ واحدةٌ تُصْبِحُ هباءً منثورًا، ثمَّ تُمَدُّ الأَرْضُ مَدَّ الأَدِيمِ.

ففي الحديث: «إذا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ مَدَّ اللهُ الأَرْضَ مَدَّ الأَدِيمِ، حتَّى لا يَكُونَ لِبَشَرٍ من النَّاسِ إلاَّ مَوْضِعُ قَدَمَيْهِ وَزِيدَ فِي سَعَتِهَا» رواه الطبري، «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ كَقُرْصَةِ النَّقَى» . متفق عليه.

قال سَهْلٌ- أو غَيْرُهُ: «ليس فيها مَعْلَمٌ لأَحَدٍ» . لا عَلامَةَ مِنْ سُكْنَى، أو بِنَاءٍ، أَوْ أَثَرٍ، أو جَبَلٍ، أو صخرةٍ بارزةٍ، وإنَّما هي مُسْتَوِيَةٌ.

قوله: {َيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ} :أي: تَقَعُ فيها الأَهْوَالُ؛ إذا حَصَلَ هذا، قَامَتِ القِيَامَةُ؛ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ، وَدَكَّةٌ وَاحِدَةٌ، والسَّماءُ وَاهِيَةٌ.

ما أَعْظَمَ قُدْرَةَ الله! فالحاقَّةُ تحقُّ فيها أُمُورٌ، والقارعةُ تَقْرَعُ القلوبَ والآَذَانَ بأهوالها، والواقِعَةُ تَقَعُ فيها الأَهْوَالُ.

قوله: {وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ} : السَّمَاءُ القويَّةُ المُتَمَاسِكَةُ مَعَ صَلَابَتِهَا وقوَّتها تَنْشَقُّ وَتَفْتَحُأبوابَها.

قوله: {فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ} ؛ أَيْ: ضَعِيفَةً.

{السَّمَاءُ كَالْمُهْل} أَيِ: الفضَّة المذابة؛ لِضَعْفِأَطْرَافِهَا.

قوله: {وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا} :أَيِ المَلائِكَةُ على أَطْرَافِهَا؛ أي: أَرْضَ المَحْشَرِ.

ويظهر أنَّ المَلائِكَةَ تُحِيطُ بِأَهْلِ الأرض، وَأَهْلُ السَّماء يكونون أَكْثَرَ من أهل الأرض بأضعافٍ مضاعفةٍ، وَيُحِيطُونَ بِأَهْلِ الأرض صُفُوفًا، وَأَهْلِ المَوْقِفِ، كلَّما نَزَلَ فَوْجٌ من الملائكة مِنَ السَّمَاءِ يَسْأَلُونَهُمْ: أفيكم ربُّنا؟ أفيكم ربُّنا؟ وهكذا مع كلِّ فَوْجٍ، حتَّى يَأْتِيَ اللهُ مع الفَوْجِ الأخير من الملائكة.

قوله: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَفَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} : العَرْشُ سَقْفُ المخلوقات. اسْتِوَاءُ الله عليه اسْتِوَاءٌ يَلِيقُ بِجَلالِهِ، وهو فَوْقَ جميع المخلوقات، ولا يوجد شَيْءٌ فَوْقَهُ؛ فالمخلوقاتُ كلُّها تَحْتَ العرش.

قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «وَاللهُ فَوْقَ عَرْشِهِ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ» . رواه أحمد و الترمذي و أبو داوود و ابن ماجة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت