وعن أَنَسٍ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - عاد رجلًا من المسلمين قد خَفَتَ، فَصَارَ مِثْلَ الفَرْخِ، فقال له رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم: «هَلْ كُنْتَ تَدْعُو اللهَ بِشَيْءٍ أَوْ تَسْأَلُهُ إِيَّاهُ» ؟! قال: نعم، كُنْتُ أَقُولُ: «اللَّهمَّ ما كنت معاقبي به في الآخرة فَعَجِّلْهُ لي في الدُّنيا» .
فقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «سُبْحَانَ اللهِ! لا تُطِيقُهُ وَلا تَسْتَطِيعُهُ، أَفَلا قُلْتَ: اللَّهُمَّ آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآَخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ؟»
قال: «فَدَعَا اللهَ بِهِ فَشَفَاهُ اللهُ» . رواه مُسْلِمٌ، وَفِيهِ تَحْرِيمُ تَمَنِّي البَلاءِ، أو الدُّعاء على النَّفْسِ بِبَلاءٍ أَوْ لَعْنَةٍ.
قوله: {مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ} :طلبوا العذاب؛ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ لله وَعَظَمَتِهِ وَسَعَةِ سُلْطَانِهِ، فَذَكَرَ اللهُ صِفَةً من صِفَاتِ عَظَمَتِهِ؛ المَعَارِجَ؛ أَيْ: صَاحِبُ المعارج أو مَالِكُ المعارج.
والمعنى: مِنَ اللهِ ذِي العُلُوِّ والجَلالِ، رَفِيعِ الدَّرَجَاتِ العَلِيِّ الأعلى، فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ مُسْتَوٍ على عرشه، تصعد إليه وتنزل الأشياء إليه.
فيها إثباتُ علوِّ الله ذاتًا وقدرًا وقهرًا، وفيه بَيَانُ عَظَمَةِ الله؛ فَلَهُ المَعَارِجُ رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ، واللهُ ذُو العُلُوِّ والجَلالِ، والأعمالُ تَعْرُجُ إليه.
قوله: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} : بَيَّنَ مِقْدَارَ صُعُودِهِمْ؛ أَيْ: تَصْعَدُ إليه المَلائِكَةُ.
قوله: {والروح} قِيلَ: «تَشْمَلُ ثَلاثًا:
الرَّوَاحَ: اسْمَ جِنْسٍ يَشْمَلُأرواح بني آدم عِنْدَ قَبْضِهَا تَصْعَدُ بها الملائكةُ.
وقيل: الرُّوحُ جِبْرِيلُ، وَذُكِرَإكرامًا له وتنويهًا له، وقيل: الرُّوحُ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ الله لا يَعْلَمُهُ إِلاَّ هُوَ». ولا مَانِعَ منها كلِّها.
قوله: {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} : فُسِّرَتْ بِثَلاثٍ:
-قيل: «المسافة بين العَرْشِ والأرض خَمْسون أَلْفَ سَنَةٍ تخترقه الملائكةُ بسرعةٍ نُزُولًا وصعودًا» .
وقيل: «مقدارُ وقوف الكفَّار يوم القيامة قبل الحساب، لَكِنْ يُخَفَّفُ على المؤمن، كأداء صلاةٍ مكتوبةٍ» .
وقيل: «المُرَادُ به عُمْرُ الدُّنيا، أو مُدَّةُ الحياة» .
ومختصرُه هو يَوْمٌ طَوِيلٌ؛ سَوَاءٌأُرِيدَ به ما بَيْنَ العَرْشِ والأرض، أو يَوْمُ القِيَامَةِ، أو مُدَّةُ الحياة الدُّنيا.
والأَرْجَحُ - والعلم عند الله -أنَّه يَوْمُ القِيَامَةِ؛ لِحَدِيثَيْنِ:
-قيل لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} ما أَطْوَلَ هذا؟ فقال النَّبيُّصلَّى الله عليه وسلَّم: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنَّهُ لَيُخَفَّفُ عَلى المُؤْمِنِ حتى يَكُونَ أخَفَّ عَلَيْهِ مِنَ الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ يُصَلِّيها فِي الدُّنْيا» . رواه أحمدُ وابنُ حِبَّانَ وصحَّحه المنذريُّ.
أمَّا مقدارُهُ على المؤمنين فوردت آثارٌ تفيد أنَّه أَخَفُّ مِنْ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ، وأخرى تفيد أنَّه بِمِقْدَارِ ما بين الظُّهر إلى العصر، وأخرى أنَّه بمقدار يَوْمٍ من أيَّام الدُّنيا، وأصحُّها ما بين الظُّهر والعصر.
-والحديث الآخَرُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إلا إذا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحَ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إلى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إلى النَّارِ .... » «صحيح مسلمٍ» .
قوله: {فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا} : فاصبر- يا مُحَمَّدُ - على استهزائهم واستعجالهم العذابَ صبرًا لا جَزَعَ فيه، ولا شَكْوَى منه لغير الله.
الله- تعالى - أَمَرَ نَبِيَّهُ - صلى الله عليه وسلم - بالهَجْرِ الجميل، والصَّفح الجميل، والصَّبر الجميل.
فالهَجْرُ الجميل: هَجْرٌ بلا أذًى، والصَّفْحُ الجميل: صَفْحٌ بلا عِتَابٍ، والصَّبْرُ الجميلُ: صَبْرٌ بلا جَزَعٍ ولاشَكْوَى.