فهرس الكتاب
قوله: {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا} : أي أنَّ الكفَّارَ يستبعدون العذابَ، وَيَرَوْنَهُ مستحيلًا وَغَيْرَ وَاقِعٍ.
قوله: {وَنَرَاهُ قَرِيبًا} : أَيْ وَاقِعًا وقريبًا وكائنًا لا مَحَالَةَ.
وفي هذه الآيات بَيَانُ قُرْبِ العذاب، وأنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا.
وهنا ذَكَرَ اللهُ مَشَاهِدَ مِنْ يَوْمِ القيامة.
قوله: {يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ} : تكونُ السَّمَاءُ سَائِلَةً كالفِضَّةِ المُذَابَةِ، أو حُثَالَةَ الزَّيْتِ في تَلَوُّنِهَا.
فَبَعْدَأن كانت قَوِيَّةً وَسَمِيكَةً، تصبح مثلَ المُهْلِ؛ ليس لها جُرْمٌ، وليس لها سُمْكٌ، وهذا دَلِيلٌ على قُدْرَتِهِ وَعَظَمَتِهِ سبحانه.
قوله: {وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ} :أي كالصُّوف الملوَّن المصبوغ؛ فتصير كالصُّوف الملَّون ألوانًا غريبةً؛ لأنَّ الجِبَالَ مُلَوَّنَةٌ مَا بَيْنَأَحْمَرَ وَأَبْيَضَ وَغَرَابِيبُ سُودٌ، وكالصُّوفِ المنفوش في لِينِهِ.
فَإِذَا بُسَّتْ وَطُيِّرَتْ في الجَوّ، ِ وكانت كالدُّخَانِ، أَشْبَهَتِ العِهْنَ المَنْفُوشَ الملوَّن؛ أَوَّلَ ما تتغيَّر الجبال تَصِيرُ رَمْلًا مَهِيلًا، ثمَّ عِهْنًا مَنْفُوشًا، ثمَّ هَبَاءً مُنْبَثًّا ومنثورًا.
قوله: {وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا} : ولا يَسْأَلُ القَرِيبُ عَنْ قَرِيبِهِ، ولا الصَّدِيقُ صَدِيقَهُ، مع أنَّهم يتعارفون.
قوله: {يُبَصَّرُونَهُمْ} : قال «يُبَصَّرُونَهُمْ» بضمِّ الياء، وفتح الباء، ولم يَقُلْ «يُبْصِرُونَهُمْ» ؛لأنَّ الإِنْسَانَ إذا كان مشغولًا يخفى عليه ما أَمَامَهُ؛ أي: يرون بعضَهم بعضًا، ولكن ما يقدرون يتكلَّمون، ولو كلَّمهم ما يردُّون عليه مِنْ شِدَّةِ الأهوال؛ كُلٌّ مَشْغُولٌ بِنَفْسِهِ.
قوله: {يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي} : أي يتمنَّى الكافرُ لو يَفْدِي نَفْسَهُ من عذاب يوم القيامة وَيَسْلَمُ.
كَلِمَةُ «لَوْ» حَرْفُ امْتِنَاعٍ لِوُجُودٍ، ومعناه امتناعُ وقوع الفِدْيَةِ؛ لِوُجُودِ الكُفْرِ.
قوله: {بِبَنِيهِ} :يتمنَّى لو يفتدي بأبنائه؛ وقد كان يُشْفِقُ عليهم في الدُّنيا، ويحبُّهم، ويدفع عنهم الأذى.
يتمنَّى لو يفتدي بهم، وَيَسْلَمُ مع أنَّه في الدُّنيا ما يَوَدُّأن تُصِيبَهُمْ شَوْكَةٌ.
قوله {وَصَاحِبَتِهِ} ؛ أَيْ: زَوْجَتَهُ؛ كان بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مَوَدَّةٌ وَعَطْفٌ.
{وَأَخِيهِ} أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيْهِ بعد أبنائه، وَيَسْتَأْنِسُ بِهِ، وَيُسَاعِدُهُ في وَرْطَاتِ الدُّنيا.
قوله: {وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ} : أي عَشِيرَتَهُالَّتي تؤيِّده، وتناصره، وتحميه في الدُّنيا.
قوله: {وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} : يتمنَّى أن يفتدي من العذاب بالنَّاس كلِّهم والأموال.
يتمنَّي في ذلك اليوم لو يفتدي بكلِّ شَيْءٍ مِنْ أَجْلِ نَجَاتِهِ، وَلَكِنْ لا تُقْبَلُ منه فِدْيَةٌ، ولا شفاعةٌ، ولا خلَّةٌ، ولا بيعٌ فيه، ولا يساعد أَحَدٌأَحَدًا، ولا يَدْفَعُ عنه، وكلٌّ مشغولٌ بِنَفْسِهِ وَجَرِيمَتِهِ وَعَمَلِهِ.
هذه الآياتُ تعنيك أنت، أنت المُخَاطَبُ بها، وأنت المُعَرَّضُ للخَطَرِ؛ فَإِنْ تَنْجُ منها، تَنْجُ مِنْ ذِي عَظِيمَةٍ.
والخلاصُ من هذه الوَرْطَاتِ الإيمانُ بالله والاستعدادُ لليوم الآخر.
الآخرةُ ما فيها مُنَاصَرَةٌ، ولا شَفَاعَةٌ، ولا فِدْيَةٌ، ولا نُصْرَةٌ؛ ما يَنْفَعُ فيها إلاَّ العَمَلُ الصَّالِحُ.
وَأَسَاسُ كلِّ خَيْرٍأن تَعْلَمَأنَّك إلى الله صَائِرٌ، وَتَسْأَلَ عن هذه الرُّوح الَّتي أَنْفَقْتَأيَّامَهَا ولياليها إمَّا في طَاعَةِ الله، أو مَعْصِيَتِهِ، فَكُنْ عَلَى حَذَرٍ.
قوله: {ثُمَّ يُنْجِيهِ} :أي لا نَجَاةَ له من عذابِ الله مهما بَذَلَ مِنْ أَنْوَاعِ الفِدْيَةِ؛ {فاليَوْمَ لا يُؤْخَذُ منكم فِدْيَةٌ، ولا من الَّذين كفروا} .
أي: أَهْلُ النِّفاق والكفر لا تُؤْخَذُ منهم فِدْيَةٌ.
قوله: {كَلَّا} : كَلِمَةُ رَدْعٍ وَزَجْرٍ وَنَفْيٍ، وَتَأْتِي للتَّأْكِيدِ، وهنا هي نَافِيَةٌ؛ أَيْأنَّ هذه المحاولات كلَّهامُنْتَفِيَةٌ، ولا تُنْجِيهِ مِنْ عذاب الله؛ فلا يَخْلُصُ مِنْهَا.
قوله: {إِنَّهَا لَظَى} :أي نارًا تتوقَّد ولا تُطْفَأُ.
قوله: {نَزَّاعَةً لِلشَّوَى} : فيها تَفْسِيرَانِ مَشْهُورَانِ؛ الشَّوَى أَطْرَافُ البَدَنِ كَاليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ.