فهرس الكتاب

الصفحة 311 من 581

وقيل: جِلْدَةُ الرَّأْسِ وَفَرْوَتُهُ؛ أَيْ: نُزِعَ بِشِدَّةِ حرِّها جِلْدَةُ الرَّأْسِ، وَسَائِرُ أطراف البَدَنِ، وَتَعُودُ مرَّةً أُخْرَى إلى ما كانت.

قوله: {تَدْعُو} : أي النَّارَ؛ تَدْعُو بأسمائهم، وَتَعْرِفُأَهْلَهَا، وَتُنَادِيهِمْ؛ فَهِيَ تتكلَّم وتُبْصِرُ وتحسُّ، ولها إرادةٌ.

قوله: {مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى} :أَيْ من أَدْبَرَ عن الحقِّ، وتولَّى عن الطَّاعة، ولم يَلْتَفِتْ إليها.

قوله: {وَجَمَعَ فَأَوْعَى} :أي جَمَعَهُ وادَّخَرَهُ؛ {يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ} ليس له هَمٌّ سِوَى جَمْعِ المال مِنْ أَيِّ طَرِيقٍ كان.

{فَأَوْعَى} أَوْكَى عَلَيْهِ وَجَعَلَهُ في خزائنه، ولم يَسْتَفِدْ منه، وَمَنَعَ حُقُوقَهُ الوَاجِبَةَ والمستحبَّة؛ فهو جَمُوعٌ مَنُوعٌ، وما اسْتَفَادَ منه إلاَّ التَّعَبَ والخَوْفَ عليه حَارِسَ مَالٍ.

بعد أن ذَكَرَ اللهُ لنا عَذَابَ الكافر، وَسَبَبُ هَلاكِهِ، حيث أَعْرَضَ عن الحقِّ واستغنى بماله وَشَغَلَهُ عن الله، و بعد أن بَيَّنَ اللهُ صِفَةَ النَّار وأهلها، بيَّن طبيعة الإنسان الَّتي خُلِقَ عليها؛ الهَلَعَ.

وهذه صِفَاتٌ ذَمِيمَةٌ، وأيضًا فيها صِفَةُ الإنسان إذا لَمْ يَهْتَدِ.

قوله: {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا} : {هَلُوعًا} الهَلُوعُ ضِدُّ الصَّبُورِ؛ أَيِ الجَزُوعَ عِنْدَ وُرُودِ المُصِيبَةِ؛ فلا احْتِمَالَ لَدَيْهِ، وَمَنُوعٌ عِنْدَ وُرُودِ النِّعْمَةِ؛ فلا احتمال، ولا إفضاللَدَيْهِ، بسبب فقدان الإيمان. وخصوصًا الإيمانَ بالقَدَرِ.

في سورة الحديد ذَكَرَ اللهُ عند قوله: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ} فَبَيَّنَأنَّ كلَّ ما هو كَائِنٌ مُقَدَّرٌ وَمَكْتُوبٌ؛ سَوَاءٌ في الأرض أو في الأنفس.

وإذا عَلِمَ المُؤْمِنُ ذَلِكَ، قَلَّأَسَاهُ على الفَائِتِ، وَفَرَحُهُ على الآتي، فَيَكُونَ فَرَحُهُ شُكْرًا، وَحُزْنُهُ صَبْرًا.

وَيُذَمُّ مَنْ حُزْنُهُ جَزَعٌ، وَفَرَحُهُ بَطَرٌ وَفَخْرٌ. وهذا كلُّه من صِغَرِ النَّفْسِ وَدَنَائتِهَا.

ويضادُّالصَّبْرَ الهَلَعُ؛ وهو شَرُّ صِفَاتِ الإنسان، وَعِنْدَ فُقْدَانِ الإيمان بالله واليَوْمِ الآَخِرِ والإيمان بقضاء الله وَقَدَرِهِ تتحرَّك هذه الطِّبَاعُ.

واستثنى اللهُ المُؤْمِنَ؛ لأنَّ مع المؤمن أُصُولًا وَأُسُسًا يتَّقي بها جَمِيعَ ما يرد عليه من خيرٍ وشَرٍّ؛ «عَجَبًا لِأَمْرِ المُؤْمِنِإِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ؛ إِنْأَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْأَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلاَّ لِلمُؤْمِنِ» . رواه مسلمٌ.

فالمؤمنُ يَتَلَقَّى الخَيْرَ بِشُكْرٍ وَصَبْرٍ، وفاقدُ الإيمان يتلقَّى الخير والشَّرَّ بكفرٍ وَجَزَعٍ، فَيَتَلَقَّى الخَيْرَ بالأَشَرِ والبَطَرِ والطُّغْيَانِ، ويتلقَّى المَكَارِهَ بِقَلَقٍ وَجَزَعٍ وَضَجَرٍ.

هنا ذَكَرَ صِفَاتِ المؤمنين الطَّيِّبِينَ الَّذين استثناهم اللهُ من الإنسان الهَلُوعِ، وَذَكَرَ لَهُمْ تِسْعَ صِفَاتٍ: اثْنَتَانِ تخصُّ الصَّلاة: الأولى والأخيرة.

قوله: {إِلَّا الْمُصَلِّينَ} : الصَّلاةُ مِنْ أَعْظَمِ ما يَبْعَثُ على الطُّمَأْنِينَةِ، وَأَعْظَمُ ما يُزِيلُ الهَلَعَ، والخَوْفَ ومن مصائب الدُّنيا.

قوله: {عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ} : المُدَاوَمَةُ عليها مُتَعَلِّقَةٌ بالاستمرارِ عليها.

مَعْنَى دَوَامِهِمْ عَلَيْهَا: أن يُوَاظِبُوا على أدائها في جَمِيعِ الأوقات، لا يُخِلُّونَ بها، ولا يَشْتَغِلُونَ عنها بشيءٍ من الشَّواغل؛ فهناك مَنْ يُصَلِّي حِينًا، وَيَتْرُكُهَا حينًا آَخَرَ.

وَفُسِّرَأيضًا الدَّوَامُ بِسُكُونِ الأَطْرَافِ.

قوله: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} : فكما أنَّهم يؤدُّونَ حَقَّ الله، أيضًا يؤدُّون حقَّ عباده في أموالهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت