فهرس الكتاب
السَّائِلُ من يَسْأَلُ، وَالمَحْرُومُ مَنْ يَتَعَفَّفُ؛ فَفِي أموالهم حَقٌّ مَعْلُومٌ، وهو جُزْءٌ يَسِيرٌ؛ الحَقُّ الواجبُ، والحقُّ المُسْتَحَبُّ.
قوله: {وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ} :أي يُؤْمِنُونَ بِيَوْمِ الحساب، وأنَّه كَائِنٌ، وَيَسْتَعِدُّونَ له؛ فلا يكفيأَنْ تُؤْمِنَ بِيَوْمِ القيامة، ولا تَعْمَلُ لَهُ، ولا تستعدُّ بالأعمال الصَّالحة.
قوله: {وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ} : هُمْ يُصَلُّونَ، وَيَصُومُونَ، ويتصدَّقون، ومع ذلك مُشْفِقُونَ خَائِفُونَ يَخَافُونَألاَّ يتقبَّلَ اللهُ مِنْهُمْمع أعمالهم الجَلِيلَةِ.
يَخَافُونَ مِنْ عَذَابِ الله؛ فَعَمَلُ الإنسان مَهْمَا كان من الكَثْرَةِ والنَّوْعِيَّةِ، فإنَّه لا يَفِي بأقلِّ القليل مِنْ نِعَمِ الله؛ فلو وُضِعَ عَدْلُهُ على النَّاس ما نَجَا أَحَدٌ؛ لأنَّ أَعْمَالَهُمْ لا تَفِي بِنِعَمِ الله.
فَانْظُرْ إلى نِعَمِ الله عَلَيْكَ وَعَمَلِكَ.
قوله: {غَيْرُ مَأْمُونٍ} :أي لا يُؤْمَنُ وُقُوعُهُ في أيِّ سَاعَةٍ، ولكن لا يَجُوزُ اليأسُ والقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ الله وَرُوحِهِ.
وأيضًا يغلِّب الرَّجَاءَ؛ فالإنسانُ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجاء والخوف.
قوله: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} : يُرَادُ بِحِفْظِ الفَرْجِأَمْرَانِ:
-حِفْظُ العَوْرَةِ سترًا واستعمالًا؛ فلا نكشفها ولا نستعملها فيما حَرَّمَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ.
فلا يَطَأُونَ بِهَا وَطْأً مُحَرَّمًاعن زنا، أو لِوَاطٍ، أو وَطْءٍ في دُبُرٍ، أو حيضةٍ، ويحفظونها من النَّظر إليها، ومسِّها، ويبتعدون عن دواعي الفاحشة.
فَبَعْضُ النَّاس يستعظم الزِّنا، ولا يتجنَّب دَوَاعِيهِ مِنْ نَظَرٍ، واختلاطٍ، وَنَحْوِهِ. والوَطْءُ الحَلالُ يَحْصُلُ بِعَقْدِ زَوَاجٍ أو مِلْكِ يَمِينٍ.
{فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ} : أي بِغَيْرِ زواجٍ أو ملكِ يمينٍ.
{فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} :أَيِ المتجاوزين من الحلال إلى الحرام؛ تَرَكُوا ما أَحَلَّ اللهُ إلى ما حَرَّمَهُ.
وهذا يدلُّ على حرمة المُتْعَةِ، وَوَطْءِ الذُّكْرَانِ، والبهائم، وَنِكَاحِ الكفِّ.
قوله: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ} : جَمْعُ «أَمَانَةٍ» ؛ وهي جَمِيعُ ما ائْتُمِنَ عليه واسْتُحْفِظَمِنْ أَمَانَاتِ الشَّرْعِ، وَهِيَ أَعْظَمُ الأمانات، وأمانات العباد.
وَكُلٌّيتحمَّلُ الأَمَانَةَ بِحَسَبِ حَالِهِ، وَمَنْ لَمْ يُرَاعِهَا فإنَّه سَوْفَ يُسْأَلُ عنها.
قوله: {وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} :وأيضًا حافظون للعهود مع الله ومع خَلْقِهِ.
قوله: {وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ} :الشَّهَادَةُ مسئوليَّةٌ عَظِيمَةٌ، ويجب أن تُؤَدَّى بدون محاباةٍ لأَحَدٍ؛ يؤدُّون الشَّهَادَةَ بالحقِّ دُونَ تَغَييرٍ، أو كِتْمَانٍ، أو مَيْلٍ، فيكون قائمًا بشهادته ظاهرةً وَبَاطِنَةً، وَفِي قَلْبِهِ وَقَالَبِهِ.
قوله: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} : مَحْفُوظَةٌ من كلِّ مُبْطِلٍ، وَمِنْ كُلِّ نَقْصٍ؛ المحافظة مُتَعَلِّقَةٌ بِذَاتِ الصَّلاة بإقامتها على الوجه الأكمل.
ففي «مُسْنَدأَحْمَدَ» و «أبي داودٍ» عن عبادة بن الصَّامت - رضي الله عنه - قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ افْتَرَضَهُنَّ اللَّهُ تَعَالى، مَنْ أحسن وضوءهن، وَصَلَّاهُنَّ لِوَقْتِهِنَّ، وَأَتَمَّ رُكُوعَهُنَّ وَخُشُوعَهُنَّ، كَانَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ، فَلَيْسَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ» . وصحَّحه الألبانيُّ - رحمه الله - في «صحيح سنن أبي داود» .
حياةُ المُؤْمِنِ سَعِيدَةٌ وقائمةٌ على الطَّهارة، والتَّوحيد، والطَّاعة، وَحَيَاةُ الكافر شَقِيَّةٌ وَتَعِيسَةٌ؛ فَهِيَ قائمةٌ على النَّجَاسَةِ، والشِّرْكِ، والمعاصي.