فهرس الكتاب

الصفحة 313 من 581

ذَكَرَ اللهُأوَّلًا صِفَاتِ أَهْلِ النَّار، ثمَّ ذَكَرَ شَرَّ صِفَاتِ الإنسان الهَلَعَ، ثمَّ ذَكَرَ صفات الطَّيِّبين التِّسْعَ، وَذَكَرَ جزاءَهم في الآخرة.

قوله: {أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ} : أي: مَنْ حَازُوا على هذه الصِّفات العظيمة، وَمِنْأَهَمِّهَا الصَّلاةُ مُدَاوَمَةً وَمُحَافَظَةً، فأولئك في جنَّاتٍ مُكْرَمُونَ، كما أنَّ الكفَّارَ في لَظَى مُهَانُونَ.

اللَّهمَّ نَسْأَلُكَ بأسمائك وصفاتك أن ترزقنا الاتِّصافَ بهذه الصِّفات العليَّة، اللَّهمَّ يَسِّرْهَا لنا ويسِّر لنا أسبابَ الخير.

قوله: {فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ} :أَيُّ شَيْءٍ مَنَعَهُمْ من اتِّباعك، وطاعتك مع حرصه - صلَّى الله عليه وسلَّم - على هدايتهم ونجاتهم؟

وما منعهم إلاَّ الكِبْرُ والعِنَادُ، مع أنَّهم يَجْنُونَ على أَنْفُسِهِمْ؛ فَقَدِ اسْتَنْكَرَ اللهُ عليهم عَدَمَإيمانهم بالرَّسول وبالقرآن، مع أنَّه جَاءَهُمْ بنجاتهم، فَلَمْ يَقْبَلُوا.

وقيل: «معنى {مُهْطِعِينَ} هاربون مِنْ سَمَاعِ ما جِئْتَ به، كما قال اللهُ: {فما لهم عن التذكرة معرضين} » .

وقيل: «يستمعون إليك لكن لا يتدبَّرون؛ مُجَرَّدُ سَمَاعٍ، وَقَصْدُهُمْ الاسْتِهْزَاءُ» .

قوله: {عِزِينَ} :جمع عزَّة؛ وهي الفُرْقَةُ والقطيعةُ من النَّاس؛ فقد كان المشركون يحتفُّون حول النَّبيِّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - حِلَقًا حِلَقًا، وَفِرَقًا فِرَقًا، يستمعون ويستهزئون بكلامه ويقولون: إِنْ دَخَلَ هؤلاء الجنَّة كما يقول مُحَمَّدٌ، فلندخلنَّها قَبْلَهُمْ.

قوله: {أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ} : حَكَمُوا لأنفسهم بالجنَّة من غير اتِّباعٍ للنَّبيِّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - وبدون عملٍ؛ أي: كَيْفَ يَطْمَعُونَ في دخول الجنَّة، وهم يكذبون الله ورسوله، وَيَعْدِلُونَ بالله خَلْقَهُ.

وفيه فَائِدَةٌ: مَنْ طَمِعَ في دخول الجنَّة بدون اتِّباعٍ للسُّنَّةِ، وَبِدُونِ عَمَلٍ، فهو خَاسِرٌ.

هناك من يقول إنَّ اتِّبَاعَهُ السُّنَّةَ هذا في حَقِّ العوامِّ، وهذا شَبِيهٌ بحال الكفَّار، يريدون الجنَّة بدون اتِّباعٍ، وبدون عَمَلٍ.

قوله: {كَلَّا} :نفى هذا الطَّمَعَ وَأَبْطَلَهُ؛ أَيْ: لا يدخلون الجنَّة على هذه الحالة.

قوله: {إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ} :هذا رَدٌّ على كبريائهم؛ فكيف يستكبرون وهم يعلمون من أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُمْ؛ فَنَسُوا بِدَايَةَ خَلْقِهِمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ.

وَفِيهِ رَدٌّأيضًا على مَنْأَنْكَرَ البَعْثَ، ولم يَنْظُرْ إلى بِدَايَةِ الخَلْقِ؛ فَمَنْ قَدَرَ على البداية قَدَرَ على النِّهاية.

قوله: {فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ} : أَقْسَمَ اللهُ بِنَفْسِهِ، وَأَقْسَمَ بالمشارق والمغارب؛ لأنَّها مِنْ أَعْظَمِ آَيَاتِهِ، فَأَقْسَمَ بنفسه مع أنّقوله الحقُّ مِنْ بَابِ التَّأْكِيدِ.

وَجَاءَ القَسَمُ بِرَبِّ المشارق والمغارب بالجَمْعِ تَارَةً، وبالتَّثْنِيَةِ تَارَةًأخرى، وجاء أيضًا مُفْرَدًا.

فجاء في كلِّ مَوْضِعٍ بما يُنَاسِبُهُ، فجاء في سورة الرَّحمن بالتَّثْنِيَةِ؛ لأنَّ السُّورَةَ ذُكِرَتْ فيها المُزْدَوَجَاتُ، فَذُكِرَ فيها الخَلْقُ والتَّعْلِيمُ، والشَّمْسُوالقَمَرُ، والنُّجُومُ والشَّجَرُ، والسَّمَاءُوالأَرْضُ، والحَبُّ والثَّمَرُ، والجنُّ والإِنْسُ، ومادَّة الجنِّ والإنسِ، والبَحْرَيْنِ، والجنَّة والنَّار، وَذَكَرَ جنَّتين عاليتين، وجنَّتين دونهما.

ثمَّأَقْسَمَ - سبحانه - في سورة المعارجبالجَمْعِ على عموم قُدْرَتِهِ وكمالِهَا؛ فهو يَأْتِي بالشَّمْسِ كلَّ يَوْمٍ من مَطْلَعٍ، وَتَغْرُبُ في مطلعٍ.

وَأَقْسَمَ في سورة المزَّمِّل بلفظ المُفْرَدِ؛ ربِّ المشرق والمغرب؛ لأنَّ المَقْصُودَذِكْرُ ربوبيَّته ووحدانيَّته، فكما تفرَّد بربوبيَّة المشرق والمغرب وَحْدَهُ، فكذلك يجب أَنْ يتفرَّد بالرُّبوبيَّة، والتَّوكُّلِ عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت