الخُطْوَةُ الثَّانِيَةُ في دَعْوَةِ نُوحٍ: لمَّا رأى إِعْرَاضَهُمْ، شَكَا إلى رَبِّهِ مَوْقِفَهُمْ من دَعْوَتِهِ، وَتَآَمُرَهُمْ عَلَيْهِ، وَإِصْرَارَهُمْ على الإِعْرَاضِ عن دعوته، وَتَمَسُّكَهُمْ بأصنامهم.
الخُطْوَةُ الثَّالِثَةُ: بيَّن حَاجَتَهُمْ إلى ربِّهم، ولا سِيَّمَا الأمطارُ؛ فَلَيْسَ لهم غنًى عن الله.
وَمَنِ الَّذي يستغني عن الله طَرْفَةَ عَيْنٍ؟ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُجْدِ مَعَهُمُ.
الخُطْوَةُ الرَّابعة: ذَكَّرَهُمْ بِعَظَمَةِ الله في مخلوقاته، وَذَكَّرَهُمْ بِنِعَمِ الله عليهم في الخَلْقِ والإيجاد بَعْدَ هذه التَّجْرِبَةِ الطَّوِيلَةِ؛ فَقَدْ مَكَثَأَلْفَ سَنَةٍ إلاَّ خَمْسِينَ عامًا.
وبطول المُدَّةِ شكا إلى رَبِّهِأنَّهم لم يَسْتَجِيبُوا له؛ {وما آَمَنَ معه إلاَّ قَلِيلٌ} .
قيل: «عَدَدُهُمْ ثَمَانون رجلًا، ومعهم نِسَاءٌ» .
هذا مِنْ بَابِ الشَّكْوَى؛ فاللهُ يَعْلَمُ ما صَنَعُوا، فَأَخَذَهُمُ اللهُ أَخْذَ اسْتِئْصَالٍ، حتَّى إنَّه لَمْ يُبْقِ لهم نَسْلًا على وَجْهِ الأرض، ولم يَنْجُ إلاّأَصْحَابُ السَّفِينَةِ، وَأَكْرَمَ اللهُ نُوحًا أَنْ جَعَلَ ذُرِّيَّتَهُ هم الباقين.
ففي دعوة نوحٍ - عليه السَّلامُ -دُرُوسٌ عَظِيمَةٌ للدُّعَاةِ وللأمَّةِ؛ فَقَدْ بَذَلَ معهم نُوحٌ كُلَّ وَسِيلَةٍ في الدَّعْوَةِ إلى الله، ولم يَتْرُكْ مَجَالًا من مجالات الدَّعوة إلاَّ سَلَكَهُ، وَتَلَطَّفَ مَعَهُمْ في العبارة؛ حِرْصًا منه على هدايتهم، وإنقاذًا لهم من عذاب الله.
وَمَنْ أراد مَعْرِفَةَأَسَالِيبِ الدَّعْوَةِ إلى الله فَهِيَ مَوْجُودَةٌ ضِمْنَ دَعْوَةِ الرُّسُلِ؛ فَجَمِيعُ تَجَارِبِ الدَّعْوَةِ موجودةٌ في دعوتهم.
أمَّا قِصَّةُ نُوحٍ وَقَوْمِهِفقد ظَلَّ النَّاسُ على التَّوْحِيد، ِ وعلى الهُدَى والفِطْرَةِ المستقيمة عَشَرَةَ قُرُونٍ بَعْدَ آَدَمَ.
قال الله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ} فَدَخَلَ الشَّيْطَانُ عليهم بطريقةٍ مَاكِرَةٍ عن طريقين؛ الغُلُوِّ والتَّصْوِيرِ.
قد ورد في «صحيح البخاريِّ» أنَّه لمَّا مات رجالٌ صالحون مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، وَحَزِنُوا عليهم وعلى أعمالهم وعلى علمهم، فقد استغلَّ الشَّيْطَانُ هذا الأَمْرَ، وَوَسْوَسَ للنَّاس، وَزَيَّنَ لهم أن يجعلوا لهؤلاء الصَّالحين أنصابًا وَتَمَاثِيلَ يجعلونها في مجالسهم.
ففعلوا ذلك ظنًّا منهم أَنَّ في هذا الفِعْلِ إِكْرَامًا للصَّالِحِينَ، فلمَّا مرَّت الأيَّامُ والأجيالُ جَاءَ الشَّيْطَانُ وَقَالَ: «إنَّ من كان قبلكم كانوا يعبدون هذه التَّماثيلَ» .
فَصَدَّقُوا ذلك، وَمِنْ هُنَا أَتَتْ عِبَادَةُ الأصنام.
لم يتمكَّن الشَّيطانُ منهم بالخطوة الأولى، وهي تصويرُهم، إلاَّ لمَّا طال عليهم الأَمَدُ، ومات علماؤهم، وجاء جِيلٌ جَاهِلٌ، فَأَدْخَلَ عليهم الشَّيْطَانُ عِبَادَةَ الأَصْنَامِ، وَانْتَقَلَ بهم من الاقتداء والمحبَّة إلى عِبَادَةِأَصْحَابِهَا، فَوَقَعُوا في الشِّرْكِ الأَكْبَرِ، وقداسْتَغَلَّ الشَّيْطَانُ التَّصْوِيرَ وَتَعْظِيمَ الصَّالِحِينَ، فَأَوْقَعَهُمْ في الشِّرْكِ.
واليَوْمَ عُبَّادُ القبور يقولون: «لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ» وَيُشْرِكُونَ بالله، ولا يعلمون أنَّ عِبَادَةَ القبور تُبْطِلُ «لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ» .
لمَّا قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لكفَّارِ قُرَيْشٍ: «قُولُوا لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ تُفْلِحُوا» قَالوا: «أَجَعَلَ الآَلِهَةَإِلَهًا وَاحِدًا؟» رواه ابن حبان و الهيثمي.
فَأَرْسَلَ اللهُ نُوحًا إلى قَوْمِهِ وَهُمْ بَنُو راسبٍ فَقَالَ: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} وَمَكَثَ في دعوته أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عامًا.
وقد ذَكَرَ اللهُ لَنَا سَبَبَ امْتِنَاعِ قَوْمِهِ عن الاستجابة. وذلك لِعِدَّةِ أُمُورٍ:
-الأوَّلُ: أَنَّهُ بَشَرٌ مِثْلُهُمْ، وأنَّ أَتْبَاعَهُ هُمُالأَرَاذِلُ؛ {وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ} . أَيْ: مِنْ مِيزَةٍ.