فهرس الكتاب

الصفحة 316 من 581

{فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ} أَيْ: يترأَّس ويترفَّع عليكم، ثمَّ اتَّهَمُوهُ بِأَنَّهُ في ضَلالٍ مُبِينٍ، وأنَّه مَجْنُونٌ، وأنَّهُ مُجَادِلٌ.

فَرَدَّ عَلَيْهِمْ نُوحٌ بدعوتهم إلى الله، وأنه لا يَطْلُبُ مِنْهُمْ مالًا، وليس عِنْدَهُأُعْطِيَاتٌ؛ فلا يقول لهم أنَّ عِنْدَهُ خَزَائِنَ اللهِ، ولا يعلم الغَيْبَ، ولا يقول أنَّهُ مَلَكٌ، وهو لا يزدري أَحَدًا ولا يحتقره، ولكنَّهيراهم قومًا يجهلون؛ أَيْ: ليس في هذه الحُجَجِ مَنْطِقٌ عَقْلِيٌّ.

وإذا تصوَّرْنَا هذا كلَّه، فتعالوا لِنَقِفَ على دَعْوَةِ نُوحٍ - عليه السَّلامُ - في سورة نوحٍ.

قوله: {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} : أي: بَعَثْنَا نوحًا إلى قومه لمَّا حَدَثَ فيهم عِبَادَةُ الشِّرْكِ.

قوله: {أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} : أَيْ خَوِّفْهُمْ وَحَذِّرْهُمْ من عذابٍأليمٍإِنِ اسْتَمَرُّوا على الشِّرْكِ بالله، والله لا يعذِّب أحدًا حتَّى يُقِيمَ عليه الحُجَّةَ.

قوله: {قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ} :هنا بيَّن الإنذارَ؛ يُحَذِّرُهُمْ مِنْ عَذَابٍأَلِيمٍ إذا استمرُّوا على الشِّرْكِ.

قوله: {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ} : ماذا قال لهم؟ وماهي رسالتُه؟ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ؛ أَيْ: وَحِّدُوا اللهَ واعبدوه وَحْدَهُ. فَبَدَأَ بِدَعْوَتِهِمْ إلى التَّوْحِيدِ.

{وَاتَّقُوهُ} خَافُوا عِقَابَهُ. {وَأَطِيعُونِ} فيما آَمُرُكُمْ به، وأنهاكم عنه؛ لأنَّه رَسُولٌ، والرَّسولُ يُطَاعُ؛ لأنَّه مُبَلِّغٌ عن الله.

والنَّتيجةُ والثَّمَرَةُ؟

قوله: {يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ} :أي يغفر لكم إِنْ عَبَدْتُمُ اللهَ وَاتَّقَيْتُمُوهُوَأَطَعْتُمُوه.

قوله: {وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} : أي: يُمِدُّ في أعماركم، ويبارك لكم فيها بسبب الطَّاعة، وَإِنْ لم يُؤْمِنُوا، عُجِّلُوا بالعقوبة.

وهذا دَلِيلٌ على أنَّ الطَّاعَةَ تَمُدُّ في العُمُرِ، وَتُبَارِكُ فِيهِ، وأنَّ الكُفْرَ والمَعَاصِي تَقْصِمُ الأَعْمَارَ.

قوله: {إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أي أنَّ عَذَابَ الله إذا نَزَلَ لا تَنْفَعُ مَعَهُ التَّوْبَةُ، ولا تُقْبَلُ التَّوْبَةُ عِنْدَ نُزُولِ العذاب.

فَدَعَاهُمْ إلى التَّوْحِيدِ والتَّوْبَةِ والاستغفار، وهما أَعْظَمُ مايمحو اللهُ بِهِمَا الذُّنُوبَ، وهما مِنْ أَعْظَمِ ما يَرْفَعُ اللهُ بِهِ العَذَابَ والعُقُوبَةَ.

قوله: {لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} :أَيْ لَسَارَعْتُمْ إلى الإيمان والطَّاعة.

الخطوةُ الثَّانيةُ في دعوة نُوحٍ: لمَّا رَأَى إعراضَهم شَكَا إلى رَبِّهِ مَوْقِفَهُمْ مِنْ دَعْوَتِهِ، وَتَآَمُرَهُمْ عليه، وإصرارَهم على الإعراض عن دَعْوَتِهِ، وَتَمَسُّكَهُمْ بأصنامهم.

قوله: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا} : أَيْ دَعَوْتُهُمْ إلى الإيمان بِكَ وَطَاعَتِكَ.

قوله: {فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا} : أَيْإِعْرَاضًا.

قوله: {وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ} : كلَّما دعوتُهم إلى الإيمان بك وطاعتك؛ لِيَكُونَ سَبَبًا لمغفرتهم.

قوله: {جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ} :حَجَبُوا أبصارَهم وأسماعَهم؛ لكي لا يَسْمَعُوا دَعْوَةَ الحقِّ، وَكَرَاهِيَةً للنَّظَرِ إلى وَجْهِ نُوحٍ؛ كَرَاهَةً وَبُغْضًا لِسَمَاعِ النُّصْحِ وَرُؤْيَةِ النَّاصِحِ.

قوله: {وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا} : أَيْأَصَرُّوا على كُفْرِهِمْ، واستكبروا عن قبول الحقِّ.

وكان الرَّجُلُ يَذْهَبُ بِابْنِهِ إلى نُوحٍ - عليه السَّلامُ - فيقول: احْذَرْ هذا؛ فلا يغرَّنَّك؛ فإنَّ أبي قد وصَّاني به.

قوله: {ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ} : أَيْ أَظْهَرْتُ لهم الدَّعْوَةَ في المحافل.

قوله: {وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا} : فالحاصلُ أنَّه دعاهم ليلًا ونهارًا في السِّرِّ، ثمَّ دعاهم جهارًا، ثمَّ دعاهم في السِّرِّ والعَلَنِ.

الحَاصِلُ: مَا تَرَكَ مَجَالًا من مجالات الدَّعوة إلاَّ سَلَكَهُ، وَلَمْ يُبْقِ مَعَهُمْ مَجْهُودًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت