الخطوة الثَّالِثَةُ: بيَّن له حاجتَهم إلى ربِّهم، ولا سِيَّمَا الأَمْطَارُ؛ فليس لهم غنًى عن الله، ومن الَّذي يستغني عن الله طَرْفَةَ عَيْنٍ؟ ومع ذلك لم يُجْدِ معهم.
قوله: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا} :هذا مِنْهُ تَرْغِيبٌ في التَّوْبَةِ، وَهِيَ التَّوْبَةُ مِنَ الشِّرْكِ؛ فَإِنْ كان كافرًا فهي من الشِّرْكِ، وإن كان مؤمنًا فهي من المعاصي.
قوله: {غَفَّارًا} : أَيْ كَثِيرَ المَغْفِرَةِ.
قوله: {يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} : لأنَّ اللهَ حَبَسَ عَنْهُمُ القَطْرَ؛ لأنَّ الكُفْرَ والمعاصي تَسُدُّ بَابَ الرِّزْقِ، ولأنَّ مِنْ رَحْمَةِ الله أنَّه ما يعاجل عبادَه بالعقوبة الكبرى إلاَّ بعد أَنْ يُرْسِلَ لهم عِدَّةَ نُذُرٍ.
قوله: {وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} :كلُّهَا مِنْ ثَمَرَاتِ طاعة اللهِ وَرَسُولِهِ، وَثَمَرَاتِ التَّوْبَةِ مِنَ الكُفْرِ والمعاصي.
الخُطْوَةُ الرَّابِعَةُ: ذكَّرهم بعظمة الله في مخلوقاته، وذكَّرهم بِنِعَمِ الله عليهم في الخَلْقِ والإيجاد.
قوله: {مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} : أَيْ مَالكم لا تَخَافُونَ لله عَظَمَةً؛ أي: تَعْظِيمَأَمْرِ الله وَنَهْيِهِ وَشَرْعِهِ وَدِينِهِ.
فَسَبَبُ كُفْرِهِمْ وَعِنَادِهِمْ عَدَمُ معرفتهم بعظمة الله وقدرته، ولذلك استدلَّ على عظمته وقدرته بالخَلْقِ؛ لأنَّ لُغْزَ الكون الخَلْقُ.
فاللهُأَعْطَى كلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثمَّ هَدَى؛ فَأَكْبَرُ دَلِيلٍ على عظمته وَقُدْرَتِهِ خَلْقُ الإنسان والسَّماوات والأرض.
فكلُّ مَا وَرَدَ في تفسير {وَقَارًا} كلُّها تَرْجِعُإلى معنًى وَاحِدٍ؛ أنَّهم لو عَرَفُوا اللهَ، لَعَظَّمُوهُ.
وَمِنْ وَقَارِ اللهِأنَّكَ لاتَعْدِلُ بِهِأَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ؛ لا في اللَّفْظِ «ما شاء اللهُ وَشِئْتَ» وَلَا فِي الحُبِّ والتَّعْظِيمِوالإجلال، ولا في الطَّاعة؛ فتطيع مخلوقًا في أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ كما تطيع الله.
ولا تستهين بحقِّ الله؛ تقول إنَّه مَبْنِيٌّ على المسامحة، ولا تجعل حقَّ الله على الفَضْلَةِوَتُقَدِّمُ حَقَّ المَخْلُوقِ.
فَهَذَا كُلُّهُ مِنْ عَدَمِتَوْقِيرِ الله في القلب، ومن كان كذلك لم يُلْقِ اللهُ وَقَارَهُ في قلوب النَّاس، ومن وقار الله أن يستحيي مِنَ اطِّلاع الله على سِرِّهِوَضَمِيرِهِ، فَيَرَى فيه ما يَكْرَهُ.
قوله: {وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا} :تَوْجِيهٌ مِنَ الخَالِقِ إلى النَّظَرِ في خَلْقِ الإنسان والمخلوقات؛ لأنَّنا إذا تفكَّرنا في المخلوقات، عَظَّمْنَا الخَالِقَ.
فَتَقْوِيَةُ الإيمان تَحْصُلُ بِمَعْرِفَةِ الخَالِقِ؛ اللهُ خَلَقَكُمْ، فكيف تتكبَّرون عن عبادة مَنْ خَلَقَكُمْ؟
كَيْفَ تَعْصُونَهُ، وهو أَنْعَمَ عليكم بالخَلْقِ والإيجاد، وتذهبون إلى أَصْنَامٍلا تسمع، ولا تُبْصِرُ، ولا تَخْلُقُ، ولا تَرْزُقُ، ولا تملك ضرًّا ولا نفعًا؟
ففي الأثر: «إِنِّي وَالإِنْسَ والجِنَّ فِي نَبَأٍ عَظِيمٍ، أَخْلُقُ وَيَعْبُدُونَ غَيْرِي، أَرْزُقُ وَيَشْكُرُونَ غَيْرِي» . (موضوع) سبق تخريجه
قوله: {أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا} : فاللهُ خَلَقَ سَبْعَ سَمَاواتٍ مُحْكَمَةً وقويَّةً، وطباقًا بلا عَمَدٍ، وَبَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ كالقُبَّةِ؛ فهي آَيَةٌ مِنْ آَيَاتِهِ الدَّالَّةِ على وُجُودِهِ.
قوله: {وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا} : فَآَيَةُ اللَّيْلِ القَمَرُ؛ ينوِّر الكُرَةَ الأَرْضِيَّةَ كلَّها؛ قَمَرٌ مُنِيرٌ وَجَمِيلٌ، وَآَيَةٌ مِنْ آَيَاتِ الله الدَّالَّة على عَظَمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ.
قوله: {وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا} :أَيْ تُضِيءُ النَّهَارَ، وَتُجَلِّي اللَّيْلَ؛ فَهِيَ جَامِعَةٌ للنُّورِ والحرارة.
وَنِعْمَةُ الشَّمْسِ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ لا يعلمها إلاَّ اللهُ، فَكَوْنُ الشَّمْسِ تَظْهَرُ علينا كلَّ يَوْمٍ لا نَحُسُّ بأهمِّيَّتِهَا.
بَعْضُ الأماكن ما ترى الشَّمْسَسِتَّةَ أَشْهُرٍ.
أَفْضَلُ طَاقَةٍ طَاقَةُ الشَّمْسِ، وَأَقْوَى طَاقَةٍ، وَأَنْظَفُ طَاقَةٍ؛ فَهِيَ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ على الإنسان والنَّبات والحيوان.