فهرس الكتاب

الصفحة 327 من 581

قوله: {لِبَدًا} : أَيْأَعْوَانًا. وقيل: «جَمِيعًا» . فَاسْتَنْكَرُوا ما يَقُومُ به، وَهَدَّدُوهُ، وَتَوَعَّدُوهُألاَّ يَخْرُجَ عمَّا هم عليه من الشِّرْكِ وعبادة الأصنام.

فَأَبَى اللهُ إلاَّ أَنْ يَنْصُرَهُ وَيُمْضِيَهُ، ويُظْهِرَهُ على مَنْ نَاوَأَهُ.

هنا أَمَرَ اللهُ رَسُولَهُأَنْ يُعْلِنَ لهؤلاء الأَعْدَاءِ لِدَعْوَتِهِإِسْلامَهُ وَاسْتِسْلامَهُ وخضوعَه لله، وَإِفْرَادَهُ بِالعِبَادَةِ، وإخلاصِ العَمَلِ له، والتَّبرِّي مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ.

قوله: {قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا} : هنا حَصَرَ العِبَادَةَ؛ أَيْ: لا أَدْعُو غَيْرَ الله؛ خِلافًا للمشركين، يَعْبُدُونَ غَيْرَ الله، وَيَدْعُونَ غَيْرَ اللهِ.

وفيها قِرَاءَتَانِ، وَكِلاهُمَا صَحِيحٌ.

فَعَلَى قِرَاءَةِ عَامَّةِ القُرَّاءِ جَعَلَهُ خبرًا مِنَ اللهِ عن نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّه قال.

فَيَكُونُ مَعْنَى الكلام: «وأنَّه لَمَّا قَامَ عَبْدُ الله يَدْعُوهُ، تَلَبَّدُوا عَلَيْهِ» ، قَالَ لَهُمْ: «إنَّما أَدْعُو رَبِّي، ولا أُشْرِكُ بِهِأَحَدًا» .

وَعَلَى قِرَاءَةِ بَعْضِ المدنيِّين وعامَّة قُرَّاءِ الكوفة يَكُونُ المَعْنَى على وَجْهِ الأَمْرِ مِنَ اللهِ - عزَّ وجلَّ - لِنَبِيِّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: «قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِلنَّاسِ الَّذِينَ كَادُوا يكونون عليك لِبَدًا، إنَّما أَدْعُو رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِهِأَحَدًا» .

وَمُخْتَصَرُ الكَلامِ: لا يَدْعُو مع اللهِأَحَدًا كائنًا مَنْ كَانَ؛ لأنَّ العِبَادَةَ للهِ وَحْدَهُ.

-فَائِدَةٌ: لا يُتَعلَّقُ بغير الله في أُصُولِ المطالبة، ولا يُسْتَجَارُ بِغَيْرِ الله في دَفْعِ المَكَارِهِ.

قوله: {قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا} :أَيْ قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِمُشْرِكِي العَرَبِ الَّذين ردُّوا عليك ما جِئْتَهُم به من النَّصِيحَةِ: لا أَمْلِكُ لَكُمْ لا ضُرًّا، ولا نَفْعًا، ولا غَيًّا، ولا رَشَدًا.

فالإنسانُ لا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ، ولا لأَقْرَبِ النَّاس إليه، ولا لغيرهم؛ أَيْ: إنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا في دينكم، ولا في دنياكم، ولا رَشَدًا أرشدكم؛ لأنَّ الَّذي يَمْلِكُ ذَلِكَ اللهُ - تعالى - الَّذي له مُلْكُ كلِّ شَيْءٍ.

قوله: {قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ} : التَّبَرُّؤُ مِنَ الحَوْلِ والقوَّة، وَأَنْ لا يَمْنَعُ من عذاب الله مَانِعٌإِنْ عَصَيْتُهُ، كَقَوْلِ صَالِحٍ عليه السَّلامُ: {فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ عَصَيْتُهُ} .

قوله: {وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا} : أي: مَلْجَأً وَنَاصِرًا؛ لتأكيد نَفْيِ الاستطاعة عَنْ نَفْسِهِ، وَبَيَانِ عَجْزِهِ.

قوله: {إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ} قُلْ لِمُشْرِكِي العَرَبِ: إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا ولا رَشَدًا {إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ} .

يقول: إلاَّ أَنْ أُبَلِّغَكُمْ مِنَ الله ما أَمَرَنِي بتبليغكم إيَّاه.

قوله: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} : أي فالنَّارُ مَوْعِدُهُ، وَمَصِيرُهُ النَّارُ.

قوله: {حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَفَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا} : أي سَوْفَ يعلمون عِنْدَ حُلُولِ العذاب مَنْأَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عددًا، أَهُمْ أم المؤمنون.

قوله: {قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا} : لمَّا خَوَّفَهُمْ بالعذاب وهدَّدهم، قالوا: متى؟ قل يا مُحَمَّدُ لهؤلاء المشركين بالله من قومك: ما أدري أَقَرِيبٌ ما يَعِدُكُمْ ربُّكم من العذاب، وقيام السَّاعة متى هو؟ لا أَدْرِي أَقَرِيبٌ أم بَعِيدٌ، إنَّما أَنَا نَذِيرٌ.

{عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا} : الغَيْبُ لله وَحْدَهُ، ومنه حُصُولُ العذاب وقيام السَّاعة؛ فلا يَعْلَمُ الغَيْبَ إلاَّ اللهُ.

فَمَنِ ادَّعَى عِلْمَ الغيب كَافِرٌ؛ سَوَاءٌ كان من الكُهَّانِ أوالعرَّافين أو السَّحرة؛ لأنَّه جَعَلَ نَفْسَهُ شَرِيكًا لله في صِفَةٍ من صفاته، وفيما هو من خصائص الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت