فهرس الكتاب

الصفحة 326 من 581

{لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} يَقُولُ: لِنَخْتَبِرَهُمْ فِيهِ؛ لأنَّ النِّعْمَةَ فِتْنَةٌ، فَمَنْأَطَاعَ اللهَ وَشَكَرَهُ، زَادَهُ، وَمَنْ كَفَرَ بالله، أَهْلَكَهُ بالعذاب، أَوْ زَوَالِ النِّعْمَةِ.

والمعنى الثَّاني: لو استقاموا على الكفر والضَّلالة أعطيناهم سَعَةَ رِزْقٍ؛ لنستدرجهم بها؛ أَيْ: فَسَوْفَ يستدرجُهم اللهُ، وَيُغْدِقُ عَلَيْهِمْ، حتَّى إذا فَرِحُوا بما أُوتُوا، أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً.

قوله: {وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا} :أَيْ طَاعَتَهُ، أو القُرْآَنَ.

{يَسْلُكْهُ} أَيْ: يُدْخِلْهُ عَذَابًا شَدِيدًا وشاقًّا. وفي قراءة أخرى: «نَسْلُكْه» أي: نُدْخِلْهُ.

قوله: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} :فيها عِدَّةُ أُمُورٍ:

قيل: «المساجدُ المُرَادُ بها مَكَانُ العِبَادَةِ» .

وقيل: «مواضعُ السُّجُودِ» .

فَهِيَ شَامِلَةٌ للمساجد، وَشَامِلَةٌ لأَعْضَاءِ السُّجُودِ.

أمَّا على تفسير أنَّ المُرَادَ بالمساجد مَكَانُ العبادة: فلا تُبْنَى دُورُ العبادة والمَسَاجِدِ إلاَّ لله؛ تَقَرُّبًا لله؛ فلا تُبْنَى رِيَاءً، ولا سُمْعَةً، ولا مُبَاهَاةً.

ولا يُمَارَسُ فيها شِرْكٌ، ولا بِدَعٌ، ولا خُرَافَاتٌ، بَلْ تُصَانُ عن ذلك.

والمرادُأَنْ تُعْمَرَ المساجدُ، وَتُبْنَى من أَجْلِ الله- تعالى - وَتَقَرُّبًا إليه؛ فلا رِيَاءَ ولا سُمْعَةَ.

وَتُطَهَّرُ من الشِّرْكِ، والمشركين، والخرافات، والبدع، والمحدَثات، وَتُصَانُ عن الأَوْسَاخِ، والأَقْذَارِ، والرَّوائح.

وعلى تفسير أنَّ المرادَ بالمساجد مواضعُ السُّجود أو أَعْضَاءُ السُّجود السَّبْعَةُ فيكون المعنى: لا يُسْجَدُ بها ولا يُخْضَعُ إلاَّ لله.

والآيةُ شَامِلَةٌ للمساجد؛ لبيوت الله، وَشَامِلَةٌ لأَعْضَاءِ السُّجود؛ فلا يُخْضَعُ بها لغير الله.

هكذا تكون المساجد عند المسلمين الموحِّدين.

قوله: فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا: خَصَّ الدُّعَاءَ؛ لأنَّه أَعْظَمُ أَنْوَاعِ العبادة، وإلاَّفَكُلُّ أَنْوَاعِ العبادة لا يَجُوزُ صَرْفُ شَيْءٍ منها لِغَيْرِ الله؛ فالشِّرْكُ تَعْرِيفُهُ صَرْفُ حَقِّ اللهِ لِغَيْرِ اللهِ.

كلمة {أحدًا} نَكِرَةٌ في سياق العُمُومِ، تَعُمُّ كلَّ شَيْءٍ؛ فلا يُشْرِكَ مع الله أحدًا كائنًا من كان.

وفي المقابل- أي مقابلَ مَسَاجِدِ أَهْلِ التَّوْحِيدِ - مَسَاجِدُ أَهْلِ الشِّرْكِ؛ فَهِيَ تُبْنَى على القبور والأضرحة؛ فهي لا تُسَمَّى مَسَاجِدَ، بل هي مَشَاهِدُ؛ لأنَّ بُيُوتَ الله بُنِيَتْ لعبادة الله وَحْدَهُ.

ومساجدُ أَهْلِ الشِّرْكِ يُمَارَسُ فيها الباطلُ والشِّرْكُ.

والمساجدُ عِنْدَ المُسْلِمِينَ تُصَانُ عن الأَقْذَارِ، وَتُطَهَّرُ، وَتُمَارَسُ فيها العبادةُ الخَالِصَةُ لله المُوَافِقَةُ لِهَدْيِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فلا بِدْعَةَ، ولا مُحْدَثَةَ.

هنا تحدَّث اللهُ عن دعوة نبيِّنا مُحَمَّدٍ- صلَّى الله وعليه وسلَّم - وكيف كادت العرب تَكُونُ جميعًا في إطفاء نور الله.

قوله: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا} : قيل: «إنَّهَا في الجِنِّ؛ تَلَبَّدَتْ - أي تَجَمَّعَتْ - عَلَيْهِ الجنُّ» .

وقيل: «إنَّهَا في العَرَبِ جَمِيعًا» .

وقال الإمامُ الطَّبَرِيُّ: «أَوْلَى الأقوال بالصَّواب في ذلك قَوْلُ من قال: ذلك خَبَرٌ من الله عن أنَّ رسولَه مُحَمَّدًا - صلَّى الله عليه وسلَّم - لمَّا قام يدعوه كَادَتِ العَرَبُ تكون عليه جَمِيعًا في إطفاءِ نُورِ اللهِ.

وإنَّما قُلْنَا: «ذلك أَوْلَى التَّأْوِيلاتِ بالصَّواب» لأنَّقَوْلَهُ: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ} عُقَيْبَقَوْلِهِ: {وَأَنَّ المَسَاجِدَ لله} ».

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت