فهرس الكتاب

الصفحة 334 من 581

ثمَّ حَبَّبَ اللهُ إلى النَّبِيِّ الكَرِيمِ بَعْدَ هَذِهِ المَرْحَلَةِ الخَلاءَ وَالبُعْدَ عن النَّاس، فكان - عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ - يَلْجَأُ إلى غارٍ شَرْقَ مَكَّةَ المُكَرَّمَةَ اسْمُهُ غَارُ حِرَاءٍ، يَتَعَبَّدُ فيه ويتحنَّث.

وَكَانَ يَقْضِي فيه اللَّيَالِيَ ذَوَاتَ العَدَدِ، ثم جَاءَتْ بَعْدَ ذَلِكَ مَرْحَلَةُ الوَحْيِ حينما نَزَلَ جِبْرِيلُ - عليه السَّلامُ - إلى النَّبيِّ مُحَمَّدٍ- عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ - وهو يتعبَّد في غار حراءَ.

فَنَزَلَ عليه جِبْرِيلُ - عليه السلام - وقال له: اقْرَأْ، فقال: ما أنا بِقَارِئٍ، وفي الثَّالثة قال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذي خَلَقَ.

وَرَجَعَ إلى زوجته خائفًا من بداية الوَحْيِ، وَاغْتَسَلَ بِمَاءٍ وقال: زَمِّلُونِين ثمَّ فَتَرَ بَعْدَهَا الوحيُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثمَّ عاد إليه المَلَكُ، وجاءه جِبْرِيلُ - عليه السلام - وَهُوَ مُتَدَثِّرٌ بالفراش فقال: {يا أيها المدثر قم فانذر} .

قال الشَّيخُ مُحَمَّدُ بْنِ عَبْدِ الوهَّاب رحمه الله: «نُبِّئَ بِاقْرَأْ، وَأُرْسِلَ بالمُدَّثِّرِ» .

فَحِينَئِذٍ نَجِدُ أَرْبَعَ مراحلَ؛ الرُّؤيا الصَّالحة، ثمَّ تَحْبِيبَ الخَلاءِ، ثمَّ الوَحْيَ باقرأ، فَصَارَ نَبِيًّا، ثمَّ أُرْسِلَ بِالمُدَّثِرِ.

فاللهُأَنْزَلَ عَلَيْهِأوَّلًا «اقْرَأْ باسم ربِّك» ؛ لأنَّ الدَّاعِيَةَ يَتَعَلَّمُأَوَّلًا، ثمَّ أَمَرَهُ بِقِيَامِ اللَّيْلِ؛ لأنَّ الَّذي يَدْعُو لابُدَّ أَنْ يَبْدَأَ بِنَفْسِهِأوَّلًا، فيتعلَّم ويعمل، ثمَّ يدعو إلى الله.

قوله: {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} : المُدَّثِّرُ أَصْلُهَا المُتَدَثِّرُ؛ أَيِ المُتَغَطِّي.

{قُمْ فَأَنْذِرْ} :قُمْ مِنْ فِرَاشِكَ وَمَنَامِكَ أَنْذِرِ النَّاسَ مِنَ الشِّرْكِ، وَمِنْ عَذَابِ الله، وهذه هي نُقْطَةُ الانطلاق.

قوله: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} : أَيْ كَبِّرْ ربَّك؛ لأنَّه عَظِيمٌ، وَاخْتَصَّ رَبَّكَ بالتَّعْظِيمِ، فَعَظِّمْهُ، وَنَزِّهْهُ بالتَّوْحِيدِ والعِبَادَةِ والإيمان.

قوله: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} : طَهَارَةُ الثَّوبِ من مَكْسَبٍ طيِّبٍ مِنْ تَمَامِ طَهَارَةِ القَلْبِ.

يُقَالُ: فُلانٌ نَقِيُّ الثِّيَابِ، وَيُرَادُ بِهَا تَزْكِيَةُ النَّفْسِ؛ أَيْ: طَهِّرْ قَلْبَكَ وَأَعْمَالَكَ مِنَ الشِّرْكِ والمعاصي.

إذا المَرْءُ لم يَلْبَسْ ثِيَابًا من التُّقَى *** تَقَلَّبَ عُرْيَانًا وَإِنْ كَانَ كَاسِيًا

وثيابَك من النَّجاسة أيضًا؛ حتَّى تَجْتَمِعَ لك طَهَارَةُ البَاطِنِ والظَّاهِرِ.

ففي الوضوء إذا انتهى تشهَّد حتَّى يجمع بين الطَّهارتين من الذُّنوب ومن الأوساخ.

قوله: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} ماذا هَجَرَ؟ الأصنامَ، والمرادُ المُبَالَغَةُ في هَجْرِهَا والابتعاد عنها، وَنَفْيُ الإلهيَّة عنها.

والهَجْرُ أَعْظَمُ وَأَبْلَغُ مِنَ التَّرْكِ؛ لأنَّ علاقَتَنَا معها عِلاقَةُ عَدَاءٍ وَنُفُورٍ.

الأَصْلُ في الرِّجْزِأنَّه العَذَابُ، لَكِنْ هنا المُرَادُ الأَصْنَامُ؛ أي: وَدُمْ على هَجْرِ الأصنام، والأوثان، وأعمال الشِّرك كلِّها؛ فلا تَقْرَبْهَا.

والأَصْلُ أَنَّ المُسْلِمَ يُنْهَى عن الشِّرْكِ، وَإِنْ لَمْ يَقَعْ فيه؛ فَحُذِّرَ من الشَّرِّ لا للشَّرِّ، وَلَكِنْ لَتَوَقِّيهِ والحَذَرِ مِنْهُ.

قوله: {وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} قيل: «لا تُعْطِ عَطَاءً وَتَطْلُبْ أَكْثَرَ منه، أو تريد أن يُرَدَّ عَلَيْكَ أَكْثَرُ مِنْهُ، أو تُكَافَأَ عَلَيْهِ، فَتُهْدِي هَدِيَّةً؛ لِيُهْدَى إِلَيْكَأَكْثَرُ مِنْ هَدِيَّتِكَ» .

وقيل: «لا تَمْنُنْ بِأَعْمَالِكَ وَتُعْجَبْ بها، وَتَسْتَكْثِرْهَا؛ فما تُقَدِّمُهُ يَسِيرٌ في حَقِّ الله» . ولا مَانِعَ مِنَ الأَمْرَيْنِ.

وفيها فائدةٌ؛ حُرْمَةُ العُجْبِ، ولا يُزَكِّي العَبْدُ نَفْسَهُ لو صَامَ الدَّهْرَ وَلَوْ عَسَاهُ أَنْ يُقَدِّمَ مَا يُقَدِّمُ.

قوله: {وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} : أَيِ اصْبِرْ على ما تَلْقَى؛ فالأَمْرُ يَحْتَاجُ إلى صَبْرٍ وَمُصَابَرَةٍ ومجاهدةٍ؛ فَإِنَّ طَرِيقَ الدَّعْوَةِ صَعْبٌ وَشَاقٌّ؛ لأنَّه يتعرَّض لأذى المعارضين والمخالفين.

هذه الآياتُ السَّبْعُ تُعْتَبَرُ وَصَايَا من اللهِ لِرَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - حينما أَمَرَهُ اللهُ بِدَعْوَةِ الخَلْقِ إلى الإيمان، وَأَمَرَهُ بالدَّعْوَةِ مُسْتَحْضِرًا عَظَمَةَ اللهِ، وَيُطَهِّرَ ثيابَه وَقَلْبَهُ مُجْتَنِبًا لكلِّ صُوَرِ الشِّرْكِ صَابِرًا لله.

ثمَّ بَعْدَهَا هَدَّدَ الكُفَّارَ بِصُعُوبَةِ يَوْمِ القيامة عليهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت