فهرس الكتاب

الصفحة 339 من 581

قوله: {وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ} : أي تركوا إِطْعَامَ المساكين الَّذي هو من مراتب الإحسان للعبيد، فمنعوا الزَّكاة؛ فليس لديهم عَمَلٌ صَالِحٌ، لا صلاة، ولا عبادة، ولا إطعام للمسلمين.

فَمَنَعُوا حقَّ الله، وحقَّ عباده؛ فلا إخلاصَ للخالق، ولا إحسانَ للمخلوق، فلا فَلاحَ لِمَنْأَخَلَّ بهما.

قوله: {وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ} :أي كنَّا نقول الباطل مع أهل الباطل، فخاضوا في الباطل، وكذَّبوا بالحقِّ.

وفيه ضَرَرُ مخالطة أهل الشَّرِّ، والمرادُ الخَوْضُ والتَّشْكِيكُ بما جاء به رسولُ الله.

فاجتمع لهم: عَدَمُ الإخلاص، و عدم والإحسانِ، والخوضُ في الباطل، والتَّكذيبُ بالحقِّن واجتمع لأهل الحقِّ: الإخلاصُ، والإحسانُ، والتَّصْدِيقُ بالحقِّ، والتَّكَلُّمُ به.

قوله: وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ:كنَّا نَجْحَدُ بِيَوْمِ الدِّين ونُنْكِرُهُ.

قوله: {حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ} :اليقينُ هاهنا هو الموتُبِإِجْمَاعِأَهْلِ التَّفْسِيرِ.

وفي الحديث: «وأمَّا عُثْمَانُ فَقَدْ جَاءَهُ اليَقِينُ مِنْ رَبِّهِ» رواه البخاري و أحمد. هو عُثْمَانُ بْنِ مَظْعُونٍ؛ أَيْ: جَاءَهُ المَوْتُ بِمَا فيه.

والمعنى أنَّهم لم يَكُونُوا مؤمنين، وَكُلُّ وَاحِدٍ منهمكَافِرٌ بِتَرْكِ صلاةٍ، وَمَنْعِ زَكَاةٍ، وَتَشْكِيكٍ بما جاء به رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، وإنكارِ يوم الدِّين.

قوله: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} : لمَّا اجْتَمَعَ لأَصْحَابِ الشِّمَالِ الشِّرْكُ، والإساءةُ للخَلْقِ، والتَّكْذِيبُ بالحقِّ، والخَوْضُ في الباطل، وإعراضُهم عن التَّذْكِرَةِ؛ لَمْ تَنْفَعْهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافعين.

حرَّم الله على هؤلاء شفاعة الشَّافعين من أنبياء، وملائكة، وصالحين.

وإفراطُالشَّفاعة حقٌّ، ولكنَّها لا تكون إلاَّ لأهل الإيمان.

والشَّفَاعَةُ قِسْمَانِ؛ شَفَاعَةٌ مَنْفِيَّةٌ؛ وهي الشَّفاعةُ في الكافر وبغير إِذْنٍ، وَشَفَاعَةٌ مُثْبَتَةٌ؛ وهي الشَّفاعةُ لأهل الإيمان، وَبَعْدَ الإذن.

والكفَّارُ لا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةٌ، ولا تُقْبَلُ منهم شَفَاعَةٌ؛ لأنَّللشفاعة مَحَلاًّ ولها قابليَّةً.

وفيها إثباتُ الشَّفاعةفي الحديث: «إِنَّ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ بِشَفَاعَتِهِ أَكْثَرَ مِنْ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ» رواه الحاكم و صححه.

قوله: {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ} : لمَّا أَعْرَضُوا عن التَّذْكِرَةِ، لم تَنْفَعْهُمُ الشَّفَاعَةُ.

ولذلك قال تعالى: {فمالهم} أَيٌّ شَيْءٍ يمنعهم عن سماع القرآن، وعن سماع المواعظ، وقبول التَّذكرة والتَّذكير.

ليس هناك مَانِعٌ إلاَّ الكِبْرُ والحَسَدُ والعِنَادُ. وهذا يدخل فيه كلُّ مَنْأَعْرَضَ عن سماع الخير، ومجالس الذِّكر، وَنَفَرَ عن أهل العلم.

لَهُ نَصِيبٌ من ذلك؛ فَإِنْ كان له عُذْرٌ فهو مَعْذُورٌ؛ كُلُّ مَنْ يَنْفِرُ عن المواعظ له نَصِيبٌ، وإذا أَعْرَضَ، فإنَّ اللهَ يَطْمِسُ قَلْبَهُ؛ {فلما زاغوا ازاغ الله قلوبهم} ؛ يَعْنِي: يسلِّط عليهم فسادَ القلب، فما تَقْبَلُ الحقَّ.

قوله: {كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ} : شبَّههم بالحُمُرِ الوحشيَّة الَّتي تنفر من الأسد أو الصَّائد، لكن الحُمُرُ فَرَّتْ مِنَ الشَّرِّ؛ خوفَ الضَّرر، وهؤلاء فرُّوا ممَّن يريد لهم الخير.

قوله: {كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ} : شبَّههم في إعراضهم ونفورهم عن القرآن بالحُمُرِ رَأَتِ الأَسَدَ، أو الرُّمَاةَ ففرَّت منه.

وهذا في غاية الذَّمِّ لهم؛ فإنَّهم نَفَرُوا عن الهدى الَّذي فيه سعادتُهم كَنُفُورِ الحُمُرِ عمَّا يُهْلِكُهَا.

قال ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: وتحت المستنفرة معنى أَبْلَغُ من النَّافرة؛ فإنَّها لشدَّة نفورها قد استنفر بعضُها بعضًا، وحضَّه على النُّفور وتواطأت عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت