فهرس الكتاب

الصفحة 338 من 581

فَأَقْسَمَ - سبحانه - بهذه الأشياء على المَعَادِ؛ فَحَرَكَةُ هذه الآيات اللَّيل والنَّهار والشَّمس والقمر كلُّها تدلُّ على المبدأ والمعاد؛ فَبَدْءُ اللَّيل والنَّهار وإعادتهما دَلِيلٌ على البَعْثِ.

والمُقْسَمُ عليه: {إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ} أَيِ النَّارُإحدى الدَّواهي والبلايا العظيمة يا من تستهزئون بالنَّار، وذلك يوم القيامة.

قوله: {نَذِيرًا لِلْبَشَرِ} : تَحْذِيرٌ وتخويفٌ للبشر كلِّهم.

قوله: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ} : فيه دَلِيلٌ على إِثْبَاتِ مشيئةٍ للنَّاس، واختيار، لكنَّها بعد مشيئة الله؛ ردًّا على الجبريَّة الَّذين يقولون: ليس للعبد مشيئةٌ واختيارٌ.

وهم على النَّقِيضِ من المعتزلة؛ لأنَّهم يغالونَ في إثبات مشيئة البَشَرِ.

والجبريَّةُ يَنْفُونَ المَشِيئَةَ للبَشَرِ، وَيُغَالون في إثبات مشيئة الله، والمعتزلة يغالون في إثبات مشيئة البشر، وينفون مشيئة الله؛ {لمن شاء منكم أن يتقدم} بالتوحيد والأعمال الصَّالحة {أو يتأخر} بالكفر والمعاصي.

ليس التَّقدُّمُ تقنيًّا، أو عمرانيًّا، أو نركب الفضاء، أو نكون أُمَّةً زراعيَّةً، أو صناعيَّةً، لكن التَّقدُّم يكون بالتَّوحيد والإيمان والعمل الصَّالح، والتَّقدُّم ألاَّ نَعْصِيَ الله.

مَصِيرُ الإنسانيتحدَّد في طاعة الله؛ لأنَّ هناك موتًا يفرز النَّاس، إمَّا إلى جَنَّةٍ يَدُومُ نعيمُها، أو إلى نارٍ يدوم عذابُها.

يجب علينا أن نَكُونَ واقعيِّين، ونضع حسابات الآخرة في اعتبارنا.

والأعمالُ الصَّالِحَةُ تَقْدِمَةٌ للجنَّة، والكفر والمعاصي تدخله النَّارَ؛ فهو يعمل الصَّالحات بمشيئته، ويعمل السَّيِّئات بمشيئته، وليس مجبرًا عليها، لكن اللهُ إذا عَلِمَ الخَيْرَ مِنَ العَبْدِ، وَفَّقَهُ، وإذا عَلِمَ منه الإِدْبَارَ عن الخير، خَذَلَهُ وَوَكَلَهُ لِنَفْسِهِ وَعَدُوِّهِ؛ عُقُوبَةً له.

قوله: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} : لمَّا أَقَامَ الحُجَّةَ والمَحَجَّةَ، ارْتَهَنَ كلَّ نَفْسٍ بِكَسْبِهَا؛ فكلُّ نَفْسٍ مرهونةٌ ومحبوسةٌ بما كسبت عند الله، وَغَيْرُ مفكوكةٍ يفكُّها عملُها الطَّيِّبُ، أو يغلُّها عملُها السَّيِّئُ؛ فهي مرهونةٌ وَمَحْبُوسَةٌ بأعمال الشَّرِّ من الكفر والشِّرك والمعاصي.

قوله: {إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ} : اليَمِينُ هو علامةُ الخَيْرِ، وَجِهَةُ أهل الكرامة، وعلامةُ الشَّرِّ أهلُ الشِّمَالِ في تناول صُحُفِ أعمالهم ومواقفهم والحساب على كلٍّ منهم.

أصحاب اليمين: قيل: «هُمْ أَطْفَالُ المسلمين؛ لأنَّهم لا أَعْمَالَ لَهُمْ يُرْهَنُونَ بها.

وقيل: «استثنى اللهُ مَنْ هَدَاهُ واتَّبع رضاه من المؤمنين؛ آمنوا بالله، وصدَّقوا المرسلين؛ لأنَّهم تخلَّصوا من الكفر والشِّرْكِ والمعاصي» .

قوله: {فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ} : مصيرُهم جنَّاتُ النَّعِيمِ، وَكُلٌّ منهم قَرِيرُ العَيْنِ بِمَا هو فيه، ويتساءلون بينهم عن حال المجرمين؛ وهم من سَلَكَ سَبِيلَ الهالكين.

وَذَكَرَ لَهُمْأَرْبَعَ صِفَاتٍ؛ فيشرفون على المجرمين، ويسألونهم عن سبب دخولهم النَّار.

قوله: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ} : ويأتي الجوابُ من أُنَاسٍ يحترقون بالنَّار؛ ما الَّذي أدخلكم النَّارَ؟

وأجاب المجرمون عن سبب دخولهم النَّار بأربع صفاتٍ.

قوله: {قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ} : أي تَرَكُوا الصَّلاةَ الَّتي هي عَمُودُ الإخلاص لربِّ العَالَمِينَ، فضيَّعوا الصَّلاةَ.

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ} وهذا يَدُلُّ على أهمِّيَّةِ الصَّلاة ومكانتها، وأنَّ من تَرَكَهَا يَدْخُلُ النَّارَ؛ سَوَاءٌ تَرَكَهَا جحودًا أو تكاسلًا.

لذلك فإنّ الصَّلاةَ عِمَادُ الدِّينِ؛ مَنْ أَقَامَهَا فَقَدْ أَقَامَ الدِّين، وَمَنْ تَرَكَهَا فقد هَدَمَ الدِّين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت