فهرس الكتاب

الصفحة 337 من 581

قوله: {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً} : أي ما جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّار - أي خَزَنَتَهَا - إلاَّ مَلائِكَةً؛ لَيْسُوا بَشَرًا، والملائكةُ أنتم لا تعرفونهم، الواحدُ منهم لا يُقَابِلُهُ البَشَرُ كلُّهُمْ من قوَّته وشِدَّتِهِ، غِلاظٌ شِدَادٌ.

قوله: {وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً} :وما جعلنا التِّسْعَةَ عَشَرَ إلاَّ ابتلاءً وامتحانًا للَّذين كَفَرُوا. لمَّا نَزَلَتْ، قال أبو الأشدِّ وكان شديد البَطْشِ: أَنَا أَكْفِيكُمْ سَبْعَةَ عَشَرَ، فَاكْفُونِي أَنْتُمُ اثْنَيْنِ.

وَذَكَرَ اللهُ الحِكَمَ مِنْ ذِكْرِ عددهم:

-الأمرُ الأوَّلُ: فِتْنَةُ الكافرين؛ فسخروا من العدد، وخاضوا في ذلك بالتَّهَكُّمِ والسُّخْرِيَةِ، فكان زيادةً في كفرهم.

-الأمر الثَّاني: قوَّة يقين أهل الكتاب؛ فيقوى يقينُهم؛ لموافقةِ الخبر بذلك عندهم، فَتَوَافُقُ ما في القرآن مع ما في الكتابين بأنَّ ما جاء في القرآن عن خزنة جهنَّم إنَّما هو حَقٌّ مِنَ الله تعالى؛ حيث وافق ذلك كتبَهم.

وسواءٌآمنوا أهلُ الكتاب أو لم يؤمنوا فقد قامت الحُجَّةُ على المعاند، و انقاد للإيمان مَنْأرادُ اللهُ هِدَايَتَهُ.

-الأمرُ الثَّالثُ: زيادةُإيمانالَّذين آمنوا من هذه الأمَّةِ، بكمال تصديقهم، والإقرار به تصديقًا بالله ورسوله، إذا علموا أنَّ ما في القرآن موافقٌ للتَّوراة والإنجيل، وفي هذا دليلٌ على أنَّ الإيمانَ يزيد وينقص.

-الأمرُ الرَّابع: فِتْنَةٌ للكفَّار وَيَقِينُأهلالكتاب وزيادةُإيمان المؤمنين، وينتفي الرَّيْبُ عن المؤمنين وأهل الكتاب.

-الأمرُ الخامسُ: حيرةُ الكفَّار ومن في قَلْبِهِمَرَضٌ وَشَكٌّ والمنافقين، وإن لم يكن في مكَّة منافقون، لكن الله يعلم أنَّه سيكون هناك منافقون في المستقبل.

والكفَّارُ يتعجَّبون من ذكر العدد، وتعجُّبُهم استنكارٌ وَتَكْذِيبٌ، وليس تَعَجُّبَ اعتبارٍ.

قوله: {مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا} : هذا حَالُ القُلُوبِ عِنْدَ وُرُودِ الحَقِّ؛ قَلْبٌ يُفْتَنُ، وَقَلْبٌ يَزْدَادُإيمانًا وتصديقًا، وَقَلْبٌ يتيقَّنه، وَقَلْبٌ فيه حَيْرَةٌ وعمىً، فلا يدري ما يراد به.

قوله: {كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} : أي مِثْلَ هذا الإضلال والهداية؛ إِشَارَةً إلى ما قَبْلَهُ من الإضلال والهُدَى، يضلُّ اللهُ مَنْ أَرَادَإِضْلالَهُ، وَيَهْدِي مَنْ أراد هِدَايَتَهُ.

أي مثل ذلك المذكور من الإضلال والهدى - يعني إضلال المنافقين والمشركين - حتَّى قالوا ما قالوا، وهدي المؤمنين بتصديقه، ورؤية الحكمة في ذلك.

وفيها رَدٌّ على القَدَرِيَّةِ الَّذين يقولون إنَّ الإنسانَ يَكْفُرُ بفعله، ويؤمن بفعله، بدون أَنْ يكون اللهُ أَرَادَهُ منهم وقدَّره.

يُعجزون الله، ويجحدون قدرته على كلِّ شيءٍ، وقد بيَّن اللهُ سَبَبَإضلالهم، وما يضلُّ به إلاَّ الفاسقون، وفيه دَلِيلُ خَلْقِ الأفعال للعباد.

قوله: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} : ما يعلم عددَ الملائكة والمخلوقات إلاَّ هو، و له في هذا العدد حِكْمَةٌ.

قوله: {وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ} : أي وما سَقَرُ وَصِفَتُهَا إلاَّ تَذْكِرَةٌ للبشر، يتعجَّبون من قِلَّةِ عدد خزنة النَّار، ولم يتعجَّبوا بأنَّ مَنْ دَخَلَهَا ومع شدَّةِ إحراقها لا يموتون.

والسَّببُأَنْ خَرَجَتْ من قلوبهم عَظَمَةُ الله وقدرتُه.

نار الآخرة ليست مثل نارَ الدُّنيا؛ من يدخل نارَ الدُّنيا يتفحَّم ثمَّ يموت، لكن نارُ الآخرة فيها طَعَامٌ وَشَرَابٌ، وفيها ظلٌّ وَشَجَرٌ، وفيها ثيابٌ؛ و فراشٌ وَلِحَافٌ، لكنَّها كلَّها للعذاب، و فيها حيَّاتٌ وَعَقَارِبُ، ولا تَحْرِقُ الملائكة.

قوله: {كَلَّا وَالْقَمَرِ} : {كَلَّا} أَيْ: للنَّفْيِ. ليس الأمرُ كما قالوا من التَّكْذِيبِ للرَّسول وما جاء به.

أَقْسَمَ اللهُ بثلاثة أقسامٍ: بالقمر، وباللَّيل وإِدْبَارِهِ، وبالصُّبْحِ وإِسْفَارِهِ.

و {إذا} قرئت: {وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ} وَقُرِئَتْ: {إذا أدبر} . والفَرْقُ بين القراءتين {إذ أدبر} للمستقبل، و {إذا} لِمَا مَضَى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت