فهرس الكتاب

الصفحة 336 من 581

وقيل: «عذابًا شاقًّا يقاسيه في النَّار، توعَّده اللهُ بِأَشَدِّ العذاب؛ لِبُلُوغِهِ بالعِنَادِ غَايَتَهُ، وَتَسْمِيَتِهِ القُرْآَنَ سِحْرًا؛ فهذا الشَّقيُّ الفَاجِرُ «الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ» الَّذي سَمِعَ القُرْآَنَ، وَعَرَفَ أنَّه كَلامُ الرَّحْمَنِ، ولكنَّه في سبيل الزَّعامة وحبِّ الرِّئاسة، زَعَمَ أنَّه مِنْ قَبِيلِ السِّحْرِ الَّذي تعارفه البَشَرُ».

قوله: {إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ} : لمَّا سَمِعَ القُرْآَنَأَعْجَبَهُ حَلاوَتُهُ، وَأُسْلُوبُهُ، وَمَعَانِيهِ، فَأَثْنَى عليهوقال: واللهِ لَقَدْ سَمِعْتُ من مُحَمَّدٍ آَنِفًا كلامًا ما هو مِنْ كَلامِ الإنسِ وَلا مِنْ كَلامِ الجِنِّ، إنَّ لَهُ لَحَلَاوَةً، وَإِنَّ عليه لَطَلاوَةً، وإنَّ أعلاه لَمُثْمِرٌ، وإنَّ أَسْفَلَهُ لَمُغْدِقٌ، وإنَّه يعلو وما يُعْلَى.

فقالت قُرَيْشٌ: صَبَأَ وَاللهِ الوَلِيدُ، فقال أبو جهلٍ وهو ابنُ أَخِيهِ: أَنَا أَكْفِيكُمُوهُ، فَقَعَدَ إليه حزينًا وكلَّمه بما أحماه فقام الوليدُ، فأتاهم فقال: تزعمون أنَّ مُحَمَّدًا مَجْنُونٌ، وَالمَجْنُونُ يخنق، فهل رأيتموه يخنق؟ وتقولون إنَّه كاهنٌ، فهل رأيتموه يتكهَّن؟ واللهِ ما هو بزمزمة الكهَّان ولا سَجْعِهِمْ.

وتزعمون أنَّه شَاعِرٌ، فهل رأيتموه يَتَعَاطَى شِعْرًا قَطُّ؟ وقد عرفتُ الشِّعْرَ كلَّه وما يشبه كلامَ مُحَمَّدٍ.

وَتَزْعُمُونَأنَّه كذَّابٌ، فهل جَرَّبْتُمْ عَلَيْهِ شَيْئًا من الكذب؟

وتزعمون أنَّه سَاحِرٌ، وقد عرفتُ السُّحَّارَ وَسِحْرَهُمْ، فما هو بِنَفْثِهِ ولا عَقْدِهِ.

فقالوا في كلِّ ذلك: اللَّهمَّ لا. ثمَّ قالوا: فما هو؟ لأنَّ عنده خِبْرَةً بالكلام وبالسِّحْرِ والكِهَانَةِ.

فتحيَّر، وفكَّر، وقدَّر، وكان مرجعًا لقريشٍ، فانتكس وضنَّ بالزِّعامة والرِّئاسة، وصار يذمُّ القرآن بعدما مَدَحَهُ، وَنَقَضَ كلامَه، ففكَّر فقال: ما هو إلاَّ سَاحِرٌ، وشبَّهه بالسِّحر؛ لأنَّ فيه ما يشبه بعض خصائص السِّحرمن ناحيةأنَّه يفرِّق بين الرَّجل وَأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَمَوَالِيهِ.

قوله: {َ فقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ} : أي لُعِنَ. وفيها تَعَجُّبٌ مِنْ تَقْدِيرِهِ.

قوله: {ثُمَّ نَظَرَ} : أي تَأَمَّلَ وَنَظَرَ في شأن القرآن.

قوله: {ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ} : عَبَسَ أَيْ: قَطَّبَ وَجْهَهُ؛ لأنَّه ما وَجَدَ مَطْعَنًا في القرآن؛ لِتَحَقُّقِهِأنَّه ليس كذلك.

وَبَسَرَ أي: غَضِبَ.

قوله: {ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ} : أَيْأَدْبَرَ واستكبر أَنْ يَشْهَدَ للقرآن بما فيه من كمالِ اللَّفظ والمعنى.

في سبيل الزَّعامة وحبِّ الرِّئاسة أَعْرَضَ عن القرآن، وعن قول الحَقِّ.

قوله: {فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ} : أي سِحْرٌ مَأْثُورٌ؛ أَيْ: مَرْوِيٌّ عن الأَقْدَمِينَ وَغَيْرُ مَأْلُوفٍ، فزَعَمَ أنَّه مِنْ قَبِيلِ السِّحْرِ الَّذي تعارفه البشرُ.

قوله: {إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ} : طَعَنَ في القرآن، وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ وَحْيًا من الله.

ما هذا إلاَّ كلامُ المخلوقين تعلَّمه مُحَمَّدٌ منهم، ثمَّ ادَّعى أنَّه من عند الله، فهدَّده اللهُ بِنَارِ جَهَنَّمَ.

قوله: {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} :أي سَأُدْخِلُهُ سَقَرَ.

قوله: {لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ} : مَنْ يَدْخُلُهَا يَذُوبُ فيها ذَوَبَانًا، لكنَّه لا يَمُوتُ.

قوله: {لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ} : مُحْرِقَةٌ للجلود ومسوِّدةٌ لها.

قوله: {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} :خَزَنَةُ سَقَرَ تِسْعَةَ عَشَرَ ملكًا من الزَّبانِيَةِ الأَشِدَّاءِ يَقُومُونَ عليها ويعذِّبون أَهْلَهَا.

وكان عَدَدُهُمْ فِتْنَةً للكفَّار، وظهر به ضلالُ الضَّالِّينَ واهتداءُ المُهْتَدِينَ.

فقد استقلَّ الكُفَّارُ هذا العَدَدَ واحتقروه، وسخروا منه، وقال الحارثُ بن كلده: «لا يَهُولَنَّكُمُ التِّسْعَةَ عَشَرَ، أَنَا أَدْفَعُ بِمَنْكِبِي الأَيْمَنِ عَشَرَةً من الملائكة، وبمنكبي الأيسر التِّسعة، ثمَّ تمرُّون إلى الجنَّة» . يقولها مستهزئًا.

وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ الحَارِثَ بْنَ كلدة قال: «أنا أكفيكم سَبْعَةَ عَشَرَ، وَاكْفُونِي أَنْتُمْ اثْنَيْنِ» . قالوا من باب السُّخرية والاستهزاء؛ لأنَّهم لا يعلمون عواقب الأمور، ويقيسون أمورهم على ما يعرفونه ويشاهدونه.

فتقالُّوا العدد، وتكلَّموا بما يضحك العقلاء عليهم، تعجَّبوا من قلَّةِ العَدَدِ، والَّذي يقبض أَرْوَاحَ الخلائق كلِّهم مَلَكٌ واحدٌ، فكيف يعجز أهلُ النَّار تِسْعَةَ عَشَرَ مَلَكًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت