فهرس الكتاب

الصفحة 361 من 581

هل يَخْلُقُ اللهُ الكَوْنَ العَظِيمَ، وَيَخْلُقُ الإِنْسَانَ، ثمَّ يَكْفُرُ مَنْ يَكْفُرُ، وَيُؤْمِنُ مَنْ يُؤْمِنُ، ثمَّ يَنْتَهِي الأمرُ؟ هذا عَبَثٌ مُنَزَّهٌ عنه اللهُ سبحانه وتعالى.

قوله: {كَلَّاسَيَعْلَمُونَ} : أي سَوْفَ يعلمون بما أخبر به رسولُ الله حينما يرونه عيانًا؛ و أنَّ ما يتساءلون عنه حَقٌّ واقع.

قوله: {ثُمَّكَلَّاسَيَعْلَمُونَ} : من باب التَّأكيد. هنا ذَكَرَ الأدلَّةَ والبراهين على قُدْرَةِ الله على البعث.

فَمَنْ قَدَرَأَنْ يَخْلُقَ هَذِهِ العَجَائِبَ، لا يُعْجِزُهُ إِعَادَةُ الخَلْقِ بَعْدَ فَنَائِهِ.

وغالبًا السُّورةُ المكِّيَّةُ تتكلَّم عن العقيدة، وعن خَلْقِ الله، وَقُدْرَةِ الله؛ لأنَّ الكفَّارَأَنْكَرُوا البَعْثَ؛ لأنَّهم لا يعرفون قدرة الله.

ولذلك غالبًا ما يستدلُّ اللهُ بِالخَلْقِ على قدرته؛ لأنَّ لُغْزَ الكون هوالخَلْقُ.

ومختصرُ القَوْلِ أنَّ الَّذي يَقْدِرُأن يَخْلُقهذه الأشياء، يَقْدِرُ على إعادة الخَلْقِ، فَذَكَرَ اللهُ تِسْعَةَ أَدِلَّةٍ تَدُلُّ على قُدْرَتِهِ.

1 -قوله: {أَلَمْنَجْعَلِالْأَرْضَمِهَادًا} : أي فراشًا تَسْكُنُونَ فيها، وتغدون وتروحون.

فَجَعَلَهَا قارَّةًلساكنها، فَمَنْ قَدَرَ أَنْ يَخْلُقَ الأرضَ قادرٌ على البَعْثِ.

2 -قوله: {وَالْجِبَالَأَوْتَادًا} : أي تُثَبِّتُ الأَرْضَ؛ حتَّى لا تَمِيدَ وَتَضْطَرِبَ وتتحرَّك.

3 -قوله: {وَخَلَقْنَاكُمْأَزْوَاجًا} : أي مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى، وقد تكون عامَّةً؛ {وَمِنكُلِّشَيْءٍخَلَقْنَازَوْجَيْنِ} ،مِنْ أَجْلِ بَقَاءِ النَّسْلِ، والسَّكن، والتَّعاون، وتكميل التَّربية.

4 -قوله: {وَجَعَلْنَانَوْمَكُمْسُبَاتًا} : قاطعًا لأشغالكم، وقاطعًا للتَّعب؛ فهو رَاحَةٌ.

النَّوْمُ سُبَاتٌ؛ أَيْ: رَاحَةً. وَأَصْلُ السَّبْتِ القَطْعُ.

5 -قوله: {وَجَعَلْنَااللَّيْلَلِبَاسًا} : أي جَعَلْنَا اللَّيْلَ كاللِّبَاسِ يُغَطِّي بسواده، فيغشاكم ويستركم بظلامه.

وليلٍ كَمَوْجِ البحر أَرْخَى عليه سُدُولَهُ.

فيه فَوَائِدُ عَظِيمَةٌ للإنسان والحيوان والنَّبات، بل كان النَّاسُ فِيمَا مَضَى يَسْكُنُونَ في غُرْفَةٍ وَاحِدَةٍ، وَيَحْتَاجُونَ لأمورٍ مُبَاحَةٍ، فيكون الظَّلامُ سِتْرًا، ويحتاجون إلى قِيَامِ اللَّيْلِ وَغَيْرِ ذلك.

6 -قوله: {وَجَعَلْنَاالنَّهَارَمَعَاشًا} : تتحرَّكون فيه لِطَلَبِ الرِّزْقِ.

وَدَاوَلَ بَيْنَ اللَّيْلِ والنَّهار لِحِكَمٍ عَظِيمَةٍ، وَمَنْ خَلَقَ هَذِهِ الأَشْيَاءَ قَادِرٌ على البَعْثِ.

7 -قوله: {وَبَنَيْنَافَوْقَكُمْسَبْعًاشِدَادًا} : هنا انْتَقَلَ إلى خَلْقِ الله سَبْعَ سماواتٍ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ كالقُبَّةِ.

وقال الجوينيُّ في العُلُوِّ: «إِنَّ الأَرْضَ بالنِّسْبَةِ للسَّماء مِثْلُ البِطِّيخَةِ دَاخِلَ البطِّيخة؛ فالسَّمَاءُ تُحِيطُ بها.

فالسَّمَاءُ سَبْعُ طِبَاقٍ مُحْكَمَةٍ قَوِيَّةٍ سَمِيكَةٍ وَاسِعَةٍ، أَيْنَمَا تَتَّجِهُ تَكُونُ السَّمَاءُ فَوْقَكَ.

فالسَّمَاءُ كالسَّقْفِ للأَرْضِ، ومع سُمْكِهَا خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ وَثِقَلِهَا، فَهِيَ مُحْكَمَةٌ قَوِيَّةٌ وَاسِعَةٌ، رَفَعَهَا اللهُ بلا عَمَدٍ، وَأَمْسَكَهَا اللهُ؛ حَتَّى لا تَسْقُطَ على الأرض، فَيَجِبُ على الإِنْسَانِأَنْ يُعَظِّمَ رَبَّهُ.

8 -قَوْلُهُ: {وَجَعَلْنَاسِرَاجًاوَهَّاجًا} : السَّبْعُ الشِّدَادُ فيها كَوَاكِبُ نَيِّرَةٌ، وَأَعْظَمُهَا الشَّمْسُ، سِرَاجٌ مُضِيءٌ، وَوَقَّادٌ جامعٌ للنُّور والحَرَارَةِ.

فَفِيهَا فائدتان:

-الأولى: إضاءةٌ للكَوْنِ حينما تَطْلُعُ.

-والثَّانِيَةُ: فِيهَا حَرَارَةٌ لِمَصَالِحِ العباد؛ فَتُنْضِجَ الثِّمَارَ، وَتُنَشِّفَ الأَشْيَاءَ.

كلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فيه الشَّمْسُ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ لا يَعْلَمُهَا إلاَّ مَنْ فَقَدَهَا.

فَتُوجَدُأَمَاكِنُ لا تَطْلُعُ فيها الشَّمْسُ إلاَّ بعد سِتَّةِأَشْهُرٍ.

يَقُولُ سَيِّدُ قُطْبٍ: «مَا عَلِمْتُأنَّ الشَّمْسَ نِعْمَةً إِلاَّ لَمَّا دَخَلْتُ السِّجْنَ، كنَّا نَقِفُ صَفًّا ونتناوب بالدَّوْرِأَمَامَ ثُقْبٍ» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت