فهرس الكتاب
كلُّ هذه الأحداث الهائلة والمُرَوِّعَةِ تَحْدُثُ في يَوْمِ الفَصْلِ.
قوله: {إِنَّجَهَنَّمَكَانَتْمِرْصَادًا} :هنا تَحَدَّثَتْ عَنْ جَهَنَّمَ الَّتي أعدَّها اللهُ للكافرين، وما فيها مِنْ أَلْوَانِ العذاب.
قوله: {مِرْصَادًا} :أي طَرِيقًا، وَمَمَرًّا يَمُرُّ عليه الخلائقُ، فالكافر وُرُودًا - أي دخولًا - والمُؤْمِنُ عُبُورًا ومرورًا؛ {ثُمَّنُنَجِّيالَّذِينَاتَّقَواوَّنَذَرُالظَّالِمِينَفِيهَاجِثِيًّا} .
قوله: {لِلطَّاغِينَمَآَبًا} : أَيْ للكافرين مرجعًا؛ كُلِّ مَنْ تَجَاوَزَ حُدُودَ الله، وَتَجَبَّرَ على عباد الله.
قوله: {لَابِثِينَفِيهَاأَحْقَابًا} : أي سِنِينَ عَدِيدَةً وَمَدِيدَةً بلا نهايةٍ.
قوله: {لَايَذُوقُونَفِيهَابَرْدًاوَلَاشَرَابًا} : لا روحَ، ولا راحةَ، ولا شرابَ؛ أي: لا يجدون فيها هواءً يخفِّف حرَّ النَّار، ولا شرابًا يسكِّن عطشَهم.
فَيُمْنَعُ عنهم الهواءُ الباردُ، والنَّوْمُ، والشَّرابُ الباردُ؛ لأنَّ النَّوْمَ يُطْلَقُ عليه بَرْدٌ.
قوله: {إِلَّاحَمِيمًاوَغَسَّاقًا} :يذوقون فيها حميمًا أي: ماءً حارًّا انتهى غَلَيَانُهُ، يَحْرِقُ بطونَهم.
{وغَسَّاقًا} قيل: زَمْهَرِيرٌ يَحْرِقُ بطونَهمبِبَرْدِهِ كما تَحْرِقُهُمُ النَّارُ بِحَرِّهَا؛ أَيِ الَّذي انتهى بَرْدُهُ.
وقيل: «صَدِيدُأَهْلِ النَّارِ يَسِيلُ من جُلُودِ أَهْلِ النَّارِ» .
والمعنى: يُمْنَعُونَ من كلِّ نَوْمٍ، وَهَوَاءٍ يخفِّف الحرَّ، ولا شَرَابَ يُسَكِّنُ العَطَشَ، ولا يَذُوقُونَ إلاَّ شَرَابًا يزيدهم عذابًا.
قوله: {جَزَاءًوِفَاقًا} : أي مطابقًا لأعمالهم، فكلُّ ما حصل لهم جَزَاءٌ لأعمالهم، فما قدَّموا إلاَّ الكُفْرَ والضَّلالَ؛ «يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْأُحْصِيهَا لَكُمْ، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ رواه مسلم.
ما هو الَّذي سَبَّبَ لهم هذا كلَّه؟ السَّبَبُ هو قوله: {إِنَّهُمْكَانُوالَايَرْجُونَحِسَابًا} : أي لا يؤمنون بلقاء الله، ويكذِّبون بالبعث؛ لفساد العلم والعمل.
قوله: {وَكَذَّبُوابِآَيَاتِنَاكِذَّابًا} : أي كذَّبوا بالأدلَّة الدَّالَّةِ على البعث.
قوله: {وَكُلَّشَيْءٍأَحْصَيْنَاهُكِتَابًا} : أي: وَكُلُّ ما فَعَلُوهُ من أعمالٍ أحصيناه.
قوله: {فَذُوقُوافَلَنْنَزِيدَكُمْإِلَّاعَذَابًا} : فينقطع رجاؤهم، وهذه الآيةُ أَشَدُّ ما في القرآن على أهل النَّار.
بعدما ذَكَرَ اللهُ مَصِيرَ الكافرين، وما أعدَّه لهم في النَّار، وَسَبَبَ دخولهم فيها، ذَكَرَ مَصِيرَ المتَّقين أيضًا في يوم الفصل.
قوله: {إِنَّلِلْمُتَّقِينَمَفَازًا} : أي مَنْجَاةً مِنْ يَوْمِ الفصل؛ نَجُوا من عذاب الله، ومع النَّجاة لهم كَرَامَاتٌ.
قوله: {حَدَائِقَوَأَعْنَابًا} : بساتين فيها أَنْوَاعُ الشَّجَرِ المُثْمِرِ، جَمْعُ حَدِيقَةٍ.
وَخَصَّ الأَعْنَابَ؛ لِكَثْرَتِهَا في الجنَّة. ذَكَرَهُ ابْنُ القَيِّمِ، وإنَّهُ مِنْ أَفْضَلِ الفواكه، وَأَكْثَرِهَا مَنَافِعَ.
وهو يُؤْكَلُ، وَيَابِسًا، وَأَخْضَرَ، وَيَانِعًا، وهو فَاكِهَةٌ من الفواكه، وَقُوتٌ مِنَ الأَقْوَاتِ، وَدَوَاءٌ من الأَدْوِيَةِ، وَشَرَابٌ مِنَ الأَشْرِبَةِ؛ فَهُوَ مُقَوٍّ للبدن، وَغِذَاؤُهُ، كغذاء التِّين والزَّبيب.
نَهَى رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن تَسْمِيَةِ العِنَبِ بالكَرْمِ؛ لأنَّ هذه اللَّفْظَةَ تَدُلُّ على كثرة الخَيْرِ والمنافع في المُسَمَّى بها، وَقَلْبُ المؤمن هو المستحِقُّ، وعلى النَّهي يستخدم في الخمر، والعرب يكرمون بعضَهم بعضًا بهذا الشَّراب، فَكَرِهَ النَّبيُّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - هذه التَّسْمِيَةَ، فقال: «الكَرْمُ قَلْبُ المُؤمِنِ» متفق عليه.
قوله: {وَكَوَاعِبَأَتْرَابًا} : الكَوَاعِبُ النَّوَاهِدُ قَدْ بَرَزَتْ أَثْداؤهنَّ، وليست متدلِّيَةً، ولذلك يتَّخذ نساءُ الدُّنيا حمَّالاتٍ.
{أَتْرَابًا} هُنَّ في سِنٍّ وَاحِدَةٍ.
قوله: {وَكَأْسًادِهَاقًا} : هي المَمْلُوءَةُ المُتَتَابِعَةُ؛ لا تُسَمَّى كَأْسًا إلاَّ إذا كَانَتْ مَمْلُوءَةًبالشَّراب. {دِهَاقًا} : مَمْلُوءَةً بالشَّراب اللَّذيذ المنوَّع المتتابع.
قوله: {لَايَسْمَعُونَفِيهَالَغْوًاوَلَاكِذَّابًا} : لا يَسْمَعُونَ كَلامًا بَاطِلًا، ولا كلامًا لا فَائِدَةَ فيه.